استدامة الطاعات
أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
شروط صلاة الجمعة
شروط صلاة الجمعة
 
تنقسم شروط صلاة الجمعة إلى قسمين:
1. شروط وجوب
2. شروط صحة
 
تنقسم شروط الوجوب إلى قسمين : متفق عليها الإسلام. العقل الذكورية ومختلف فيها الاستيطان ببناء؟ البلوغ اشتراط المدن للجمعة الحرية اشتراط المسجد الإقامة إذن السلطان ؟ عدم العذر سماع النداء؟ العدد الذي تنعقد به أما شروط صحة الجمعة فهي : تقدم الخطبة على الصلاة الوقت أولاً: شروط الوجوب المتفق عليها: 1- الإسلام. 2- العقل: وهما شرطان في وجوب جميع الأحكام الشرعية وصحتها، باتفاق الأمة، والأدلة متوافرة على ذلك. أما الإسلام: فلقوله تعالى: قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، ولأن في إيجاب ذلك عليهم تنفيراً، فعفي عنه، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ: ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة(1)

 
1-أخرجه البخاري (7372)، ومسلم (19). وكذا قوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ [التوبة:54]، قال أهل العلم: "فإذا كانت النفقات مع كون نفعها متعدياً لا تقبل منهم، فالعبادات التي نفعها غير متعد من باب أولى لا تقبل منهم"(1)
. قال النووي في المجموع: "... وأما الكافر الأصلي، فاتفق أصحابنا في كتب الفروع، على أنه لا تجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام. وأما في كتب الأصول فقال جمهورهم: هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان. وقيل: لا يخاطب بالفروع. وقيل: يخاطب بالمنهي عنه، كتحريم الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها، دون المأمور به كالصلاة. والصحيح الأول، وليس هو مخالفاً لقولهم في الفروع، لأن المراد هنا غير المراد هناك، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة. ومرادهم في كتب الأصول: أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعاً، لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا، فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين، وفي الفروع حكم الطرف الآخر والله أعلم"(2)
. وأما المرتد فيلزمه الصلاة في الحال، وإذا أسلم لزمه قضاء ما فات في الردة. قال النووي في المجموع: "قال الشافعي والأصحاب: يلزم المرتد إذا أسلم أن يقضي كل ما فاته في الردة أو قبلها، وهو مخاطب في حال الردة بجميع ما يخاطب به المسلم، وإذا أسلم لا يلزمه إعادة ما كان فعله قبل الردة من حج وصلاة وغيرهما، والله أعلم"(3)
. وقال الشيرازي في المهذب: "وإن كان مرتداً وجبت عليه، وإذا أسلم لزمه قضاؤها، لأنه اعتقد وجوبها، وقدر على التسبب إلى أدائها، فهو كالمحدث"(4)
. وأما العقل: فلقوله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل(5)
. وفي رواية: وعن المجنون حتى يفيق(6)
. وزوال العقل إما أن يكون بجنون، ويلحق به كل من زال عقله بسبب مباح، وأن يكون بسبب محرم، كمن شرب المسكر أو تناول دواء من غير حاجة فزال عقله. فأما الأول: وهو من زال عقله بسبب غير محرم، كمن جن أو أغمى عليه، أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة، أو أكره على شرب مسكر فزال عقله، فهذا قال فيه النووي: "... لا صلاة عليه، 
 

1- الشرح الممتع (5/10). 2-المجموع (3/4). 3-المجموع (3/5). 4-المجموع (3/4). 5-أخرجه أحمد (1/118) ،و الترمذي (1423) عن علي رضي الله عنه، وأخرجه النسائي (3432) عن عائشة رضي الله عنها. وصححه الألباني في إرواء الغليل (297). 6-أخرجه البخاري تعليقًا عن علي رضي الله عنه في الطلاق، باب: الطلاق في الإغلاق ...، وأبوداود مرفوعًا (4399) عن علي أيضًا، كما أخرجه أبوداود (4398)، والنسائي (3432)، وابن ماجه (2041) عن عائشة رضي الله عنها. وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف للحديث، سواء قل زمن الجنون والإغماء أم كثر. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه قضاء ما فات فيه، وإن كان أكثر فلا. ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر، وعطاء، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وقتادة، أن المغمى عليه يقضي. دليلنا القياس على المجنون، وعلى ما فوق يوم وليلة ..."(1)
. وقال ابن قدامة في المغني: "والمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حالة جنونه، إلا أن يُفيق في وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ، ولا نعلم في ذلك خلافاً ..."(2)
. وقال الحزمي: "والمغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي كانت في حال إغمائه". قال ابن قدامة: "وجملة ذلك أن المغمى عليه حكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها على النائم، كالصلاة والصيام. وقال مالك والشافعي: لا يلزمه قضاء الصلاة إلا بعد أن يُفيق في جزء من وقتها.... وقال أبو حنيفة: إن أغمى عليه خمس صلوات قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل، لأن ذلك يدخل في التكرار فأسقط القضاء، كالمجنون ..."(3)
. قال ابن قدامة: "ولنا ما روي أن عماراً غشي عليه أياماً لا يُصلي ثم استفاق بعد ثلاث، فقيل: هل صليت؟ فقال: ما صليتُ منذ ثلاث(4)
. فقال: أعطوني وضوءاً فتوضأ، ثم صلى تلك الليلة. وروى أبو مجْلز أن سمرة بن جندب قال: المغمى عليه يترك الصلاة، أو فيترك الصلاة، يُصلي مع كل صلاةٍ صلاةً مثلها. قال: قال عمران: زعم، ولكن ليصليهن جميعاً. روى الأثرم هذين الحديثين في سننه. وهذا فعل الصحابة وقولهم، ولا نعرف لهم مخالفاً فكان إجماعاً، ولأن الإغماء لا يُسقط فرض الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه، فأشبه النوم... . ولا يصح قياسه على المجنون، لأن المجنون تتطاول مدته غالباً، وقد رفع القلم عنه، ولا يلزمه صيام ولا شيء من أحكام التكليف، وتثبت الولاية عليه، ولا يجوز على الأنبياء عليهم السلام، والإغماء بخلافه، وما لا يؤثر في إسقاط الخمس، لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها، كالنوم"(5)
. ودعوى الإجماع لا يسلم لها، فقد ذكر الدارقطني والبيهقي في سننهما عن ابن عمر: أنه أغمي عليه يوماً وليلة فلم يقض. وفي رواية: ثلاثة أيام ولياليهن. وروى محمد بن الحسن عنه القضاء في اليوم والليلة(6)
. وأما الثاني: وهو من زال عقله بسبب محرم، بأن شرب المسكر عمداً عالماً به مختاراً، أو شرب دواء لغير حاجة، وهو مما يزول به العقل فزال عقله، فلا تصح صلاته في ذلك الحال، فإذا عاد عقله لزمه القضاء. 
 

1-المجموع (3/6). 2-المغني (2/50). 3-المغني (2/50-51). 4-كذا في المطبوع ويبدو أن هناك تقديماً وتأخيراً في الكلام، إذ إن المغمى عليه هو الذي لا يدري أمره فيسأل. 5-المغني (2/51-52). 6-انظر هذه الآثار وغيرها في سنن الدارقطني (2/82-83)، وسنن البيهقي الكبرى (1/388). وانظر أيضاً الشرح الممتع (2/16- 18). قال ابن قدامة: "... وأما السكر، ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت، فلا يؤثر في إسقاط التكليف، وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله. لا نعلم فيه خلافاً، لأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى"(1)
. فائدة: قال النووي: "قال أصحابنا رحمهم الله: إذا لم يعلم كون الشراب مسكراً، أو كون الدواء مزيلاً للعقل، لم يحرم تناوله ولا قضاء عليه، كالإغماء، فإن علم أن جنسه مسكر، وظن أن ذلك القدر لا يسكر، وجب القضاء لتقصيره وتعاطيه الحرام. وأما ما يزيل العقل من غير الأشربة والأدوية كالبنج، وهذه الحشيشة المعروفة، فحكمه حكم الخمر في التحريم، ووجوب قضاء الصلوات، ويجب فيه التعزير دون الحد. والله أعلم"(2)
. 3- الذكورية: قال ابن قدامة: "والذكورية شرط لوجوب الجمعة وانعقادها، لأن الجمعة يجتمع لها الرجال، والمرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال، ولكنها تصح منها لصحة الجماعة منها، فإن النساء كن يصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجماعة"(3)
. وأخرج أبو داود من حديث طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض(4)
. قال النووي: "... نقل ابن المنذر وغيره الإجماع أن المرأة لا جمعة عليها... ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنها لو حضرت وصلت الجمعة جاز، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة المستفيضة أن النساء كن يصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده خلف الرجال، ولأن اختلاط النساء بالرجال إذا لم يكن خلوة ليس بحرام"(5)
. وقال النووي: "... ولا تجب على الخنثى المشكل للشك في الوجوب، وممن صرح به القاضي أبو الفتوح والبغوي وصاحب البيان"(6)
. ثانياً: الشروط المختلف عليها: 1- البلوغ: لقوله صلى الله عليه وسلم: رواح الجمعة واجب على كل محتلم(7)
 

1-المغني (2/52). 2-المجموع (2/8). 3-المغني (3/204). 4-أخرجه أبو داود (1067)، وقال: طارق أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع منه، ومفهوم أبو داود أنه مرسل صحابي، وهو حجة عند الجمهور. وقال النووي وصححه الألباني في صحيح الجامع (3111)، وللحديث شواهد كثيرة وأقل مراتبه أن يكون حسناً. وقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم (المجموع 4/483). 5-المجموع (4/484)، والمغني (3/216). 6-المجموع (3/484). 7-أخرجه النسائي (1371) عن حفصة رضي الله عنها، وأورده الألباني في صحيح النسائي (1299). قال ابن قدامة: "... وأما البلوغ فهو شرط أيضاً لوجوب الجمعة وانعقادها، في الصحيح من المذهب، وقول أكثر أهل العلم، لأنه من شرائط التكليف، بدليل قوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ(1)
. وذكر بعض أصحابنا في الصبي المميز رواية أخرى، أنها واجبة عليه بناء على تكليفه، ولا مُعَوَّل عليه"(2)
. وسبق ذكر حديث طارق بن شهاب مرفوعاً عند أبي داود: الجمعة حق واجب على كل مسلم، إلا أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض. ولكن الصبي يؤمر بها لسبع ويضرب عليها لعشر، لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سبرة: مروا أبنائكم عليها لسبع، واضربوهم لعشر(3)
. قال النووي: "واعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم: مروا أولادكم بالصلاة ليس أمراً منه صلى الله عليه وسلم للصبي، وإنما هو أمر للولي فأوجب على الولي أن يأمر الصبي. وهذه قاعدة معروفة في الأصول؛ أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بالشيء، ما لم يدل عليه دليل. قال أصحابنا: ويأمره الولي بحضور الصلوات في الجماعة وبالسواك وسائر الوظائف الدينية"(4)
. 2- الحرية: فلا تجب على العبد، لحديث طارق بن شهاب عند أبي داود مرفوعاً: الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: مملوك ... قال ابن قدامة في المغني: "فأما العبد، ففيه روايتان: أحدهما: لا تجب عليه الجمعة... والثانية: تجب عليه، ولا يذهب من غير إذن سيده. نقلها المَرُّوزي واختارها أبو بكر، وبذلك قالت طائفة، إلا أن له تركها إذا منعه السيد، واحتجوا بقوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ [الجمعة:9]، ولأن الجماعة تجب عليه، والجمعة آكد منها، فتكون أولى بالوجوب. وحكي عن الحسن وقتادة أنها تجب على العبد الذي يؤدي الضريبة، لأن حقه عليه قد تحول إلى المال، فأشبه من عليه الدين". قال ابن قدامة: "ولنا ما روى طارق بن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض ولأن الجمعة يجب السعي إليها من مكان بعيد، فلم تجب عليه، كالحج والجهاد، ولأنه مملوك المنفعة، محبوس على السيد، أشبه المحبوس بالدَّين، ولأنها لو وجبت عليه لجاز له المضي إليها من غير إذن سيده، ولم يكن لسيده منعه منها كسائر الفرائض، والآية مخصوصة بذوي الأعذار، وهذا منهم"(5)
 

1-تقديم تخريجه. 2-المغني (3/204). 3-أخرجه أبو داود (495) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، والترمذي (407) عن سبرة رضي الله عنه، قال النووي: حديث سبرة صحيح، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة ... (المجموع 3/10). 4-المجموع (3/11) . 5-المغني (3/217-218) بتصرف يسير. وذهب السعدي إلى أن الجمعة والجماعة تجب على العبيد والأرقاء، لأن النصوص عامة في دخولهم، ولا دليل يدل على إخراج العبيد، وضعف حديث طارق بن شهاب وقال: ضعيف الإسناد. وذهب إلى العمل بعموم حديث حفصة عن النسائي مرفوعاً: رواح الجمعة واجب على كل محتلم، قال: "وهو عام في الحر والمملوك، والأصل: أن المملوك حكمه حكم الحر في جميع العبادات البدنية التي لا تعلق لها بالمال"(1)
. وقال شيخ الإسلام: "تجب إذا أذن له سيده. وهي الرواية الثالثة في مذهب أحمد"(2)
. قال ابن عثيمين: "وهذا قول وسط بين قول من يلزمه جمعة مطلقاً، وقول من لا يلزمه مطلقاً"(3)
. 3- الإقامة: فأكثر العلماء أن المسافر في غير معصية لا جمعة عليه. قال ابن قدامة: "وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه ... قاله مالك في أهل المدينة، والثوري في أهل العراق، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وروي ذلك عن عطاء، وعمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي. وحكي عن الزهري والنخعي أنها تجب عليه، لأن الجماعة تجب عليه، فالجمعة أولى". قال ابن قدامة: "ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع بعرفة يوم الجمعة، فصلى الظهر والعصر، وجمع بينهما، ولم يصل جمعة، والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، كانوا يسافرون للحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم. وقد قال إبراهيم: كانوا يقيمون بالريَّ السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان لا يُجَمَّعون ولا يُشَرَّقون. وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: أقمت معه سنتين بكابُل، يقصُر الصلاة ولا يُجَمَّع. رواها سعيد. وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين فكان لا يُجَمَّع. ذكره ابن المنذر. وهذا إجماع مع السنة الثابتة فيه، فلا يسوغ مخالفته"(4)
. وقال في كشاف القناع: "... ولو أقام المسافر سفر طاعة أربعة أيام فأكثر، لزمته بغيره"(5)
. وقال النووي في المجموع: "... لا تجب الجمعة على المسافر، هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا، وحكاه ابن المنذر وغيره عن أكثر العلماء. وقال الزهري والنخغي: إذا سمع النداء لزمته. قال أصحابنا: ويستحب له الجمعة للخروج من الخلاف، ولأنها أكمل. هذا إذا أمكنه". قال: "واتفق أصحابنا على سقوط الجمعة عن المسافر، ولو كان سفره قصيراً، فإن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج لزمته بلا خلاف … وإن نوى إقامة دون أربعة أيام فلا جمعة عليه، هذا كله في غير سفر المعصية، أما سفر المعصية فلا تسقط الجمعة بلا خلاف"(6)
 

 
1-المختارات الجلية (ص69) بتصرف. 2-الإنصاف (1/369). 3-الشرح الممتع (5/9). 4-المغني (3/216، 217). 5-كشاف القناع (2/23). 6-المجموع (4/485). وذهب ابن حزم إلى وجوب الجمعة على المسافر في سفره: "قال الله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة:9]. قال: هذا خطاب لا يجوز أن يخرج منه مسافر ولا عبد، بغير نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم..."(1)
. وقال الصنعاني: "ولا تجب على النازل لأنه داخل في لفظ المسافر، وإليه ذهب جماعة من الآل أيضاً وهو الأقرب، لأن أحكام السفر باقية له، من القصر ونحوه، ولذا لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع، لأنه كان مسافراً"(2)
. مما سبق نخلص إلى أن أقوال العلماء في وجوب الجمعة على المسافر في غير معصية، يمكن تلخيصها كالآتي: الأول: أنه غير مطالب بها مطلقاً لا بنفسه ولا بغيره، والأفضل حضورها لأنها أكمل وهذا مذهب جماهير العلماء. الثاني: أنه غير مطالب بها بنفسه، بمعنى أنه لو وجد جماعة مسلمون مسافرون عددهم مائة مثلاً، وليس بينهم مستوطنون غير مسافرين ممن تنعقد بهم الجمعة، فلا تلزمهم الجمعة، وفي صحتها منهم لو صلوها خلاف. ولكنه يطالب بها بغيره، بمعنى أنه لو وجد جماعة مسلمون مسافرون في بلد تقام فيه الجمعة، لزمتهم الجمعة بغيرهم، لعموم الأدلة في إجابة النداء ليوم الجمعة. وعلى هذا يمكن حمل كلام أهل العلم، ممن يلزمون المسافر بالجمعة على ذلك، كالزهري والنخعي، حيث نقل النووي عنهم: إذا سمع النداء لزمته... وإلى هذا القول ذهب الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ حيث قال: "أما المسافر في بلد تقام فيه الجمعة، كما لو مر إنسان في السفر ببلد ودخل فيه ليقيل، ويستمر في سيره بعد الظهر، فإنها تلزمه الجمعة لعموم قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة:9]، وهذا عام، ولم نعلم أن الصحابة الذين يفدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبقون إلى يوم الجمعة، يتركون صلاة الجمعة، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم"(3)
. فإن قيل: ولم لا يدخل المسافر في عموم الآية، في إلزامه بالجمعة، إذا كانوا جماعة تنعقد بهم جمعة، وما وجه التفريق بين هذا وذاك؟ فالجواب: أنه في هذا الحال فلا نداء أصلاً ليدخل المسافر في عمومه، ونحن نقول إن كان هناك نداء للجمعة لزمه الإجابة، ولا نلزمه هو بإحداث هذا النداء. قال النووي: "قال أصحابنا: الناس في الجمعة ستة أقسام: أحدهما: من تلزمه وتنعقد به، وهو الذكر الحر البالغ العاقل المستوطن الذي لا عذر له. 
 

1-المحلى (3/255)، وانظر أيضاً (3/252-255)، مسئلة (523)، حيث بسط أدلته واعتراضه على أدلة الجمهور. 2-سبل السلام (2/118). 3-الشرح الممتع (5/14، 15). الثاني: من تنعقد به ولا تلزمه، وهو المريض والممرض، ومن في طريقه مطر، ونحوهم من المعذورين، ولنا قول شاذ ضعيف جداً أنها لا تنعقد بالمريض ... حكاه الرافعي. الثالث: من لا تلزمه ولا تنعقد به ولا تصح منه، وهو المجنون والمغمى عليه، وكذا المميز والعبد والمسافر والمرأة والخنثى. الخامس(1)
: من لا تلزمه ولا تصح منه وهو المرتد. السادس: من تلزمه وتصح منه، وفي انعقادها به خلاف، وهو المقيم غير المستوطن، ففيه الوجهان المذكوران في الكتاب، أصحهما: لا تنعقد به"(2)
. 4- عدم العذر، سواء كان العذر لمرض أو مطر أو خوف: وأما المرض، فلحديث طارق بن شهاب مرفوعاً عند أبي داود: الجمعة حق واجب على كل مسلم، إلا أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض. قال النووي: "لا تجب الجمعة على المريض، سواء فاتت الجمعة على أهل القرية بتخلفه لنقصان العدد أم لا، لحديث طارق وغيره. قال البندنيجي: لو تكلف المريض المشقة وحضر كان أفضل. قال أصحابنا: المرض المسقط للجمعة، هو الذي يلحق صاحبه بقصد الجمعة مشقة ظاهرة غير محتملة. قال المتولي: ويلتحق بالمريض في هذا من به إسهال كثير. قال: فإن كان بحيث [لا](3)
يضبط نفسه، حرم عليه حضور الجمعة، لأنه لا يؤمن تلويثه المسجد. قال إمام الحرمين: فهذا المرض المسقط للجمعة أخف من المرض المسقط للقيام في الفريضة"(4)
. وقال: "الأعمى إن وجد قائداً متبرعاً، أو بأجرة المثل وهو واجدها، لزمته الجمعة، وإلا فلا تجب عليه. هكذا أطلقه المصنف(5)
والجمهور، وقال القاضي حسين والمتولي: تلزمه إن أحسن المشي بالعصا بلا قائد. هذا تفصيل مذهبنا. وممن قال بوجوب الجمعة على الأعمى الذي يجد قائداً: مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد وداود، وقال أبو حنيفة: لا تجب"(6)
. وأما المطر، فلحديث ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الباردة: صلوا في رحالكم. والمطر الذي يعذر به هو الذي يبل الثياب، لأن في الخروج فيه مشقة. وبوب البخاري باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر، وأورد حديث ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: (إذا قلت أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، 
 
1- كذا في الأصل لم يذكر القسم الرابع. 2-المجموع (4/503). 3-بالأصل بدون (لا) وهو خطأ. 4-المجموع (4/486). 5-أي الشيرازي في المهذب. 6-المجموع (4/486)، وانظر أيضاً المغني (3/219). فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أُحرجكم فتمشون في الطين والدَّحض)(1)
، والدحض هو الزلق. قال الحافظ: وبه قال الجمهور. ومنهم من فرق بين قليل المطر وكثيره، وعن مالك: " لا يرخص في تركها بالمطر" وحديث ابن عباس هذا حجة في الجواز(2)
اﻫـ. ومثل المطر في المشقة الريح أو العواصف الشديدة، والبرد الشديد غير المعتاد، والذي يشق على الناس الخروج فيه للصلاة، وكل أمر تلحق الناس فيه مشقة عظيمة يعذرون به في ترك الجمعة والجماعة. وذهب بعض العلماء إلى أن البرد الشديد، لا يبيح التخلف عنها بلا ريح، لسهولة اتقائه، ولا الريح دون برد لأنها لا تضر، إلا إذا آذت الأعين وعاقت المسير، فمدار الأمر إذن المشقة. وحكي عن مالك أنه كان لا يجعل المطر عذراً في التخلف عن الجمعة. وأما الخوف، فلحديث ابن عباس مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر قالوا: وما المعذور؟ قال: خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى(3)
. والخوف ثلاثة أنواع: أحدهما: الخوف على المال من سلطان أو لص، أو يكون له خبز في تنور، أو طبيخ على النار، وما أشبه ذلك، فهذا كله عذر عن الجمعة والجماعة، لأنه خوف فيدخل في عموم الحديث. الثاني: الخوف على نفسه، مثل أن يخاف من سلطان يأخذه أو عدد أو سبع أو سيل. الثالث: الخوف على ولده وأهله أن يضيعوا، أو يكون ولده ضائعاً ويرجو وجوده في تلك الحال، فيعذر بذلك لأنه خوف(4)
. 5- هل يشترط عدد معين للجمعة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافاً كثيراً، قال الحافظ في الفتح: "وجملة ما للعلماء فيه خمسة عشر قولاً: الأول: تصح من الواحد. نقله ابن حزم(5)
. الثاني: اثنان كالجماعة. وهو قول النخعي وأهل الظاهر والحسن بن حي(1)
 

 
1-البخاري (901). 2-الفتح (2/446). 3-أخرجه أبو داود (551) والدارقطني في سننه (1/420). قال الحاكم في مستدركه (1/245): هذا حديث قد أوقفه أكثر أصحاب شعبة، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم وقُراد وهو عبد الرحمن بن غزوان ثقتان، فإذا وصلاه فالقول فيه قولهما. اهـ، ثم رواه من وجه آخر فتابع سعيد بن عامر هشيماً على شعبة، ووافقه الذهبي سكوتاً.وقد صححه الألباني في صحيح أبي داود (515) دون جملة العذر. قال: وبلفظ "ولا صلاة له". 4-العدة شرح العمدة (ص105). 5-لم أجده في كتابه المحلى، ولعله في غيره، ثم إن الصنعاني قد حكى الإجماع في سبل السلام (2/74)، على أنها لا تصح إلا جماعة فقال: "إن صلاة الجمعة لا تصح إلا جماعة إجماعاً" وانظر كلام الألباني في الأجوبة النافعة (ص79). ونقل النووي حكاية الدارمي عن الفاساني أنها تنعقد بواحد منفرد، قال: والفاساني لا يعتد به في الإجماع، وقد نقلوا الإجماع أنه لا بد من عدد (المجموع 4/504). الثالث: اثنان مع الإمام، عند أبي يوسف ومحمد(2)
. الرابع: ثلاثة معه. عند أبي حنيفة(3)
. الخامس: سبعة، عند عكرمة(4)
. السادس: تسعة، عند ربيعة(5)
. السابع: اثنا عشر، عنه في رواية(6)
. الثامن: مثله غير الإمام، عند إسحاق(7)
. التاسع: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك(8)
. العاشر: ثلاثون، كذلك(9)
. الحادي عشر: أربعون بالإمام عند الشافعي(10)
. الثاني عشر: غير الإمام عنه، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة(11)
. الثالث عشر: خمسون عن أحمد في رواية، وحكى عن عمر عبد العزيز(12)
. الرابع عشر: ثمانون حكاه المازري. الخامس عشر: جمع كثير بغير قيد(13)


 
1-انظر: المحلى لابن حزم (5/46)، نيل الأوطار للشوكاني (3/285) . 2-وهو قول الأوزاعي وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد واختاره شيخ الإسلام، وحجتهم أنه يتناول اسم الجمع، فانعقدت به الجماعة كالأربعين، ولحديث أبي الدرداء مرفوعاً عن أحمد (6/445-446) وغيره: "ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان". 3-وحجته أنه عدد يزيد على أقل الجمع المطلق، أشبه الأربعين، ولما أخرجه الدارقطني في سنته (2/7، 8)، والبيهقي (3/179) من حديث أم عبد الله الدوسية مرفوعاً: "الجمعة واجبة في كل قرية، وإن لم يكن فيها إلا أربعة". وفي إسناده مجهولان. 4-انظر: المحلى لابن حزم (5/46)، نيل الأوطار للشوكاني (3/285) . 5-انظر: نيل الأوطار للشوكاني (3/285) . 6-وحجته ما رواه البيهقي في سننه (3/179)، أن مصعب بن عمير حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جمع بهم وهم اثنا عشر رجلاً وأنه العدد الذي بقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم. 7-انظر: نيل الأوطار للشوكاني (3/285). 8-انظر: نيل الأوطار للشوكاني (3/285). 9-انظر: نيل الأوطار للشوكاني (3/285). 10-وهو مشهور مذهب أحمد واختاره ابن قدامة، وهو مذهب مالك أيضاً، وسيأتي بسط أدلته. 11-انظر: نيل الأوطار للشوكاني (3/285) . 12-وحجتهم ما أخرجه الدارقطني في سننه (2/4)، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجب الجمعة على خمسين رجلاً، ولا تجب على ما دون ذلك، وفي إسناده جعفر بن سليمان متروك. 13-قال الشوكاني: "وأما اشتراط جمع كثير من دون تقييد بعدد مخصوص فمستنده أن الجمعة شعار، وهو لا يحصل إلا بكثرة تغيظ أعداء المؤمنين، وفيه أن كونها شعاراً لا يستلزم أن ينتفي وجوبها بانتفاء العدد الذي يحصل به ذلك، على أن الطلب لها في العباد كتاباً وسنة مطلق عن اعتبار الشعار، فما الدليل على اعتباره؟!..." نيل الأوطار (3/286). قال الحافظ: "ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل، ويمكن أن يزداد العدد باعتبار زيادة شرط، كالذكورة والحرية والبلوغ والإقامة والاستيطان، فيكمل بذلك عشرون قولاً"(1)
. قال الشوكاني: "وأما اشتراط جمع كثير، من دون تقييد بعدد مخصوص، فمستنده أن الجمعة شعار، وهو لا يحصل إلا بكثرة تغيظ أعداء المؤمنين، وفيه أن كونها شعاراً لا يستلزم أن ينتفي وجوبها بانتفاء العدد الذي يحصل به ذلك، على أن الطلب لها من العباد كتاباً وسنة مطلق عن اعتبار الشعار، فما الدليل على اعتباره؟"(2)
. وقد احتجت كل طائفة لقولها ببعض الآثار، لا تخلو من ضعف أو مقال، قال ابن حزم بعد أن ساق الآثار التي احتج بها أصحابها: "فكل هذه آثار لا تصح، ثم لو صحت لما كان في شيء منها حجة، لأنه ليس في شيء منها إسقاط الجمعة عن أقل من العدد المذكور"(3)
، إلا ما أخرجه البيهقي وأبو داود من حديث كعب بن مالك قال: (أول من جمَّع بنا في المدينة سعد بن زرارة، قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم في نقيع الخضمات. قلت ـ أي عبد الرحمن بن كعب ـ: كم كنتم؟ قال: أربعون رجلاً)(4)
. قال ابن حزم بعد تصحيحه لهذا الخبر: "ولا حجة له(5)
في هذا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل إنه لا تجوز الجمعة بأقل من هذا العدد ..."(6)
. قال ابن حزم: "وأما حجتنا فهي ما قد ذكرناه قبل، من حديث مالك بن الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما(7)
، فجعل عليه السلام للاثنين حكم الجماعة في الصلاة ..."(8)
. وقال الشوكاني في النيل: "واعلم أنه لا مستند لاشتراط ثمانين أو ثلاثين أو عشرين أو تسعة أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد، وأما من قال إنها تصح باثنين فاستدل بأن العدد واجب بالحديث والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح عندي"(9)
. ذهب ابن تيمية إلى أنها تنعقد بثلاثة، قال في الاختيارات: "وتنعقد الجمعة بثلاثة، واحد يخطب واثنان يستمعان، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وقول طائفة من العلماء. وقد يقال بوجوبها على الأربعين، 
 
1-الفتح ( 2/423). 2-نيل الأوطار (3/286). 3-المحلى (3/250). 4-أخرجه أبو داود(1069)، وابن ماجه (1082)، والبيهقي (3/176-177)، وقال: هو صحيح، وحسنه النووي في المجموع (4/423). 5-أي الشافعي. 6-المحلى (3/250). 7-أخرجه البخاري (630)، ومسلم (674). 8-المحلى (3/251). 9-نيل الأوطار (3/285). لأنه لم يثبت وجوبها على من دونهم، وتصح ممن دونهم، لأنه انتقال إلى أعلى الفرضين كالمريض، بخلاف المسافر فإن فرضه ركعتان"(1)
. وقوى ابن عثيمين مذهب أهل الظاهر، وقال: "لكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أصح، إذ لابد من جماعة تستمع، وأقلها اثنان، والخطيب هو الثالث، وحديث أبي الدرداء(2)
يؤيد ما قاله الشيخ"( 3)
. 6- هل يشترط الاستيطان ببناء لوجوب الجمعة؟ اشترط كثير من العلماء الإقامة في قرية، مبنية بحجارة أو لبن أو قصب، أو ما جرت به العادة، لا يظعن عنها صيفاً أو شتاء، وأما أهل الخيام وبيوت الشعر فلا جمعة عليهم. قال ابن قدامة: "فأما الاستيطان فهو شرط في قول أكثر أهل العلم، وهو الإقامة في قرية على الأوصاف المذكورة(4)
، لا يظعنون عنها صيفاً ولا شتاء ..."(5)
. وفي الاختيارات: "وتجب الجمعة على من أقام في غير بناء، كالخيام وبيوت الشعر ونحوها، وهو أحد قولي الشافعي، وحكاه الأزحي رواية عن أحمد. وقال أبو العباس في موضع آخر: "يشترط مع إقامتهم في الخيام ونحوها، أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية"(6)
. وذلك أن البدو الذين كانوا حول المدينة، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة الجمعة، مع أنهم مستوطنون في أماكنهم، لكونها ليست ببناء، ولهذا إذا ظعنوا عن هذا الموطن ظعنوا ببيوتهم ..."(7)
. لكن إن كانت لأهلها منازل دائمة، يمكثون فيها سنوات طويلة، لا يحملهم على الرحيل إلا الطارئ، كالمحاربة أو غيرها، فهؤلاء عليهم جمعة، لأن العبرة ليست بنوع البناء، وإنما بالاستيطان. قال النووي: "قال أصحابنا: يشترط لصحة الجمعة أن تقام في أبنية مجتمعة، يستوطنها شتاء وصيفاً من تنعقد بهم الجمعة، قال الشافعي والأصحاب: سواء كان البناء من أحجار أو أخشاب، أو طين، أو قصب، أو سعف، أو غيرها، وسواء فيه البلاد الكبار ذوات الأسواق، والقرى الصغار والأسراب المتخذة وطناً، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف، لأنها لا تعد قرية، ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف... وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من مواضعهم شتاء أو صيفاً، لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفاً، وهي مجتمعة بعضها إلى بعض، فقولان؛ أصحهما باتفاق الأصحاب: لا تجب عليهم.
 

1-الاختيارات (ص79). 2-وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان". أخرجه أحمد (5/196، 446)، وأبو داود (547)، وابن خزيمة وابن حبان وصححاه. 3-الشرح الممتع على زاد المستقنع للعثيمين (5/52-53). 4-وهي أن تكون مجتمعة البناء مما جرت العادة في القرية الواحدة، المغني (3/203). 5-المغني (3/206). 6-الاختيارات (ص79). 7-الشرح الممتع (5/16، 17). الجمعة ولا تصح منهم، وبه قطع الأكثرون وبه قال مالك وأبو حنيفة. والثاني: تجب عليهم وتصح منهم، نص عليه البويطي. والله أعلم"(1)
. مسألة: اشتراط المدن لإقامة الجمعة: ولا يشترط لإقامة الجمعة أن تكون في المدن دون غيرها، بل تقام في القرى أيضاً، وقد بوب البخاري بقوله: باب الجمعة في القرى والمدن. قال الحافظ: "في هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خص الجمعة بالمدن دون القرى، وهو مروي عن الحنفية، وأسنده ابن أبي شيبة عن حذيفة وعلي وغيرهما. وعن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيثما كنتم. وهذا يشمل المدن والقرى. أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أبي رافع عن أبي هريرة عن عمر، وصححه ابن خزيمة... وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر: أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعيب عليهم، فلما اختلف الصحابة وجب الرجوع إلى المرفوع"(2)
. قال ابن باز ـ رحمه الله ـ في تعليقه على الفتح: "وهو فعل الجمعة في القرى، كما فعل أهل جُوَاثا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على مشروعية إقامة الجمعة بالقرى، والله أعلم"(3)
. مسألة: هل يشترط المسجد(4)
؟ قال في عون المعبود: "وذهب البعض إلى اشتراط المسجد، قال: لأنها لم تُقم إلا فيه. وقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء إنه غير شرط، وهو قوي إن صحت صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي، وقد روى صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي ابن سعد وأهل السير، ولو سُلم عدم صحة ذلك، لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه"(5)
. قال النووي: "لا تصح الجمعة عندنا، إلا في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة، ولا تصح في الصحراء، وبه قال مالك وآخرون. وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز إقامتها لأهل المصر في الصحراء كالعيد. واحتج أصحابنا بما احتج به المصنف أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوها في الصحراء، مع تطاول الأزمان وتكرر فعلها بخلاف العيد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي(6 )
"( 7)
. وقال ابن قدامة: "ولا يشترط لصحة الجمعة إقامتها في البنيان، ويجوز إقامتها فيما قاربه من الصحراء، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا تجوز في غير البنيان، لأنه بوضع يجوز لأهل المِصْر قصر الصلاة فيه، فأشبه البعيد. 
 
1-المجموع (4/501). 2-الفتح (2/441، 442)، وانظر أيضاً المغني (3/208-209). 3-السابق (2/442) هامش (1). 4-بحث هذه المسألة في شروط الصحة أقرب. 5-(3/281) . 6-أخرجه البخاري (631) عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه. 7-المجموع (4/505). ولنا أن مصعب بن عمير جمَّع بالأنصار في هَزْم النَّبيت في نقيع الخضمات، والنقيع بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مُدَّة، فإذا نضب الماء نبت الكلأ. ولأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة، كالجامع، ولأن الجمعة صلاة عيد، فجازت في المصلى كصلاة الأضحى، ولأن الأصل عدم اشتراط ذلك، ولا نصَّ في اشتراطه، ولا معنى نصًّ فلا يشترط"(1)
. وقال النووي: "قال أصحابنا: ولا يشترط إقامتها في مسجد، ولكن تجوز في ساحة مكشوفة، بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة معدودة من خطتها، فلو صلوا خارج البلد لم تصح بلا خلاف، سواء كان بقرب البلدة أو بعيداً منه، وسواء صلوها في ركن أم ساحة، ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، ولم يُصلِ عليه الصلاة والسلام هكذا ..."(2)
. 7- هل يشترط إذن السلطان؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: الأول: أنه لا يشترط، وهو قول جمهور العلماء، وبه قال مالك والشافعي ورواية عن أحمد وأبو ثور. الثاني: أنه شرط، رُوي ذلك عن الحسن والأوزاعي، وحبيب بن ثابت وأبي حنيفة. قال ابن قدامة: "والصحيح أنه ليس بشرط"(3)
. واحتج الموجِبون أنه لا يقيمها إلا الأئمة في كل عصر، فصار ذلك إجماعاً. قال ابن قدامة: "ولنا أن علياً صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوَّب ذلك عثمان، وأمر بالصلاة معهم .. قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا يُجمَّعون .. ولأنها من فرائض الأعيان، فلم يُشترط لها إذن الإمام كالظهر، ولأنها صلاة أشبهت سائر الصلوات. وما ذكروه إجماعاً لا يصح، فإن الناس يقيمون الجمعات في القرى من غير استئذان أحد. ثم لو صحَّ أنه لم يقع إلا ذلك، لكان إجماعاً على جواز ما وقع، لا على تحريم غيره، كالحج يتولاه الأئمة وليس بشرط فيه ..."(4)
. وعلى القول باشتراط إذن الإمام، فإن تعذر لفتنة ونحوها، فقال القاضي: ظاهر كلامه صحتها بغير إذن، على كلتا الروايتين، فعلى هذا يكون الإذن معتبراً مع إمكانه ويسقط اعتباره بتعذره(5)
. وقال النووي: "قال الشافعي والأصحاب: يستحب ألا تقام الجمعة إلا بإذن السلطان أو نائبه، فإن أقيمت بغير إذنه ولا حضوره جاز وصحت، وهكذا جزم به المصنف والأصحاب، ولا نعلم فيه خلافاً عندنا إلا ما ذكره صاحب البيان، فإنه حكى قولاً قديماً أنها لا تصح إلا خلف الإمام أو من أذن له الإمام، وهذا شاذ ضعيف"(6)
. 8- هل يشترط سماع النداء لوجوب الجمعة؟ 
 
1-المغني (3/209). 2-المجموع (4/501). 3-المغني (3/206). 4-المغني (3/206-207). 5-المغني (3/208). 6-المجموع (4/583). قال أحمد: "أما أهل المصر، فلابد لهم من شهود الجمعة، سمعوا النداء أو لم يسمعوا، وذلك لأن البلد الواحد بُني للجمعة، فلا فرق بين القريب والبعيد ... وهذا قول أصحاب الرأي ونحوه قول الشافعي"(1)
. وقال ابن عثيمين: "إذا كان البلد واحداً فإنه يلزمه، ولو كان بينه وبين المسجد فراسخ(2)
. قال النووي: "قال الشافعي والأصحاب: إذا كان في البلد أربعون فصاعداً من أهل الكمال، وجبت الجمعة على كل من فيه، وإن اتسعت خطة البلد فراسخ، وسواء سمع النداء أم لا وهذا مجمع عليه"(3)
. وأما غير أهل المصر فاختلف العلماء في وجوبها عليهم، والقائلون بالوجوب اختلفوا في ضابطه، أهو المسافة أم سماع النداء أم غير ذلك؟ فقال أصحاب الرأي: لا جُمعة على من كان خارج المصر، لأن عثمان رضى الله عنه صلى العيد في يوم الجمعة، ثم قال لأهل العوالي(4)
: (من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف، ومن أراد أن يقيم حتى يُصلي الجمعة فليقم)، ولأنهم خارج المصر فأشبه أهل الحلل. وقال الجمهور: عليه الجمعة، ثم اختلفوا في ضابط ذلك: فذهب الشافعية إلى وجوبها على من بلغه النداء دون غيره، وهو رواية عن أحمد، لحديث: الجمعة على من سمع النداء(5)
، وبه قال ابن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وأحمد وإسحاق. وذهب الأوزاعي وأبو ثور إلى وجوبها على من يمكنه إذا فعلها أن يرجع إلى أهله، فيبيت فيهم، لحديث: الجمعة على من آواه الليل إلى أهله(6)
، وبه قال ابن عمر بن الخطاب، وأنس، وأبو هريرة، ومعاوية، والحسن، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، وعطاء. وقال الزهري: "يجب على من بينه وبين البلد ستة أميال". وقال مالك والليث: "يجب على من بينه وبين البلد ثلاثة أميال" وهو مذهب أحمد. واختاره ابن قدامة، قال الخرقي: "وتجب الجمعة على من بينه وبين الجمعة فرسخ"(7)
. وإنما اعتبروا المسافة دون السماع، لأن سماع النداء غير ممكن دائماً فاعتبر بمظنته، وأما الفرسخ، فلأنه الموضع الذي يسمع فيه غالباً، قالوا: ولأن المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ، فهو في مظنة القرب. قال ابن قدامة: "وأما اعتبار حقيقة النداء، فلا يمكن، لأنه قد يكون من الناس الأصم وثقيل السمع، وقد يكون النداء بين يدي المنبر، فلا يسمعه إلا من في الجامع، وقد يكون المؤذن خفيَّ الصوت، أو في يوم ذي ريح، ويكون المستمع نائماً أو مشغولاً بما يمنع السماع، فلا يسمع، ويسمع من هو أبعد منه، فيفضي إلى وجوبها على البعيد دون القريب، وما هذا سبيله، ينبغي أن يُقدَّر بمقدار لا يختلف، والموضع الذي يسمع منه 
 
1- المغني (3/244). 2-الشرح الممتع على زاد المستقنع (5/18- 19). ومسيرة الفرسخ ساعة ونصف في سير الإبل والقدم ويقدر بثلاثة أميال. 3-المجموع (4/487). 4-العوالي: ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال. (معجم البلدان 3/743). وهي الآن داخل المدينة . 5-أخرجه أبو داود (1056)، والدارقطني (2/6)، والبيهقي في السنن الكبرى (3/176-177) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (593). 6-أخرجه الترمذي (501) عن أبي هريرة وضعفه، وكذا ضعفه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح رقم (1376). 7-مختصر الخرقي (ص35). النداء في الغـالب ـ إذا كان المنادي صيّتاً في موضع عال، والريح ساكنة، والأصوات هادئة، والمستمع سميع غير ساه، ولا لاه ـ فرسخ أو قاربه فحدَّ به. والله أعلم"(1)
. وقال محمد بن المنذر وربيعة وهي رواية عن الزهري: أربعة أميال. وقال ابن حزم: "ويلزم المجيء إلى الجمعة، من كان منها بحيث إذا زالت الشمس، وقد توضأ قبل ذلك، دخل الطريق إثر أول الزوال ومشى مترسلاً، ويدرك منها ولو السلام، سواء سمع النداء، أو لم يسمع، فمن كان بحيث إن فعل ما ذكرنا، لم يدرك منها ولا السلام، لم يلزمه المجيء إليها، سمع النداء أو لم يسمع، وهو قول ربيعة"(2)
. واحتج بقوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة:9]. قال: "فافترض الله تعالى السعي إليها إذا نودي لها، لا قبل ذلك، ولم يشترط تعالى من سمع النداء ممن لم يسمعه، والنداء لها إنما هو إذا زالت الشمس، فمن أمر بالرواح قبل ذلك فرضاً، فقد افترض ما لم يفترض الله تعالى في الآية، ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصح يقيناً أنه تعالى أمر بالرواح إليها إثر زوال الشمس لا قبل ذلك، فصح أنه قبل ذلك فضيلة لا فريضة كمن قرب بدنة"(3)
. والأولى تعليق الحكم بما علق الله به، وهو النداء إلى الجمعة، وهذا الذي علق عليه الرسول صلى الله عليه وسلم الحكم عندما سأل ابن أم مكتوم: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: أجب. وهذا الضابط في حق من كان خارج المصر، أما من كان داخل المصر، فقد حكى النووي الإجماع على وجوب الجمعة عليه، سمع النداء أم لم يسمع، وأما ما ذهب إليه ابن حزم من عدم التفريق بين من كان داخل المصر وخارجه، وبين من يسمع النداء ومن لا يسمع، ففضلاً عن كونه مخالف للإجماع(4)
، فإن القاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يلزم منها أن من كان بالمصر يسمع النداء، ولا يدرك الصلاة إذا خرج لها عند سماعه، أنه يلزمه الخروج قبله، وأما من كان خارج المصر ويسمع النداء، ولكن لا يدرك الصلاة إذا خرج عند سماعه، فقد يتوجه القول بما ذهب إليه لولا عموم الآية. والله أعلم. ثانياً: شروط صحة الجمعة: 1- الوقت: وهذا مجمع عليه فلا تصح قبله ولا بعده. واختلف العلماء في وقت الجمعة على ثلاثة أقوال(5)
: الأول: أن وقتها هو وقت الظهر ولا يجوز قبله. وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين. وبه قال ابن حزم. 
 
1-المغني (2/107). 2-المحلى (5/55). 3-المحلى (5/57). 4-انظر: مراتب الإجماع لابن حزم (ص33). 5-المحلى (3/262). الثاني: أنها تجوز قبل الزوال في الساعة السادسة. وهو قول أحمد، وحكي عنه أنه قال: في الساعة الخامسة. قال ابن قدامة: والصحيح في الساعة السادسة. الثالث: أنه يجوز فعلها في الوقت الذي تفعل فيه صلاة العيد. وهو قول القاضي وأصحابه من الحنابلة. واحتج كل فريق على ما ذهب إليه، أما أصحاب القول الأول، فقد احتجوا على أن وقتها هو وقت الظهر بالآتي: 1- ما أخرجه البخاري من حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس(1)
. وبوب البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس". قال الحافظ: "جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها، لضعف دليل المخالف عنده"(2)
. 2- ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع قال: (كنا نجمَّع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء)(3)
. 3- قال النووي: "وهذا هو المعروف من فعل السلف والخلف"، قال الشافعي: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، والأئمة بعدهم، كل جمعة بعد الزوال"(4)
. وتوسط قومٌ فقالوا: لأنهما صلاتا وقت – أي الجمعة والظهر – فكان وقتهما واحداً، كالمقصورة والتامة. ولأن إحداهما بدل عن الأخرى، وقائمة مقامها، فأشبها الأصل المذكور. ولأن آخر وقتهما واحد، فكان أوله واحداً، كصلاة الحضر والسفر. واحتج أصحاب القول الثاني بالآتي: قال ابن قدامة: "ولنا على جوازها في السادسة السنة والإجماع: 1- ما روى جابر بن عبد الله، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس) أخرجه مسلم(5)
. 2- وعن سهل بن سعد قال: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) متفق عليه(6)
. قال ابن قتيبة: "لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال". 3- وعن سلمة قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء نستظل به)(7)
 

1-وانظر نيل الأوطار (3/318). 2-انظر المغني (3/239-242)، والمجموع (4/511-513)، والمحلى (3/244-248). 3-صحيح مسلم (860)، وأخرجه أيضًا البخاري (904). 4-الفتح (2/449). 5-الصحيح (858). 6-صحيح البخاري (939)، وصحيح مسلم (859). 7-أخرجه البخاري (4168)، ومسلم (860). وأما الإجماع، فروى الإمام أحمد .. عن عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر بن الخطاب فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان بن عفان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره. قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلَّوا قبل الزوال، وأحاديثهم تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه، وأنه الأفضل والأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال، ولا تنافي بينهما"(1)
. وأجاب الجمهور على الأحاديث التي احتج بها أصحاب هذا القول، أنها كلها محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال، من غير إبراد ولا غيره، قال النووي: "وتفصيل الجواب أن يقال: حديث جابر فيه إخبار أن الصلاة والرواح إلى جمالهم، كانا حين الزوال، لا أن الصلاة قبله. والجواب عن حديث سلمة أنه حجة لنا في كونها بعد الزوال، لأنه ليس معناه أنه ليس للحيطان شيء من الفيء، وإنما معناه ليس لها فيء كثير بحيث يستظل به المار، وهذا معنى قوله: (وليس للحيطان ظل يستظل به)، فلم ينف أصل الظل، وإنما نفى كثيره الذي يستظل به، وأوضح منه الرواية الأخرى: (نتتبع الفيء) فهذا فيه تصريح بوجود الفيء لكنه قليل، ومعلوم أن حيطانهم قصيرة، وبلادهم متوسطة من الشمس، ولا يظهر هناك الفيء، بحيث يستظل به، إلا بعد الزوال بزمان طويل. وأما حديث سهل: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة) فمعناه أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم نُدبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها، خافوا فواتها أو فوات التبكير إليها. وأما الأثر عن أبي بكر وعمر وعثمان فضعيف باتفاقهم، لأن ابن سيدان ضعيف عندهم، ولو صح متأوَّلاً لمخالفة الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"(2)
. واحتج أصحاب القول الثالث بالآتي: 1- ما روي عن ابن مسعود ومعاوية أنه قال: (ما كان عيد إلا في أول النهار، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي بنا الجمعة في ظل الحظيم)(3)
. 2- ما روي عن ابن مسعود ومعاوية أنهما صليا الجمعة ضحىً، وقالا: (إنما عجلنا خشية الحر عليكم)(4)
 

 
1-المجموع (4/512). 2-المغني (3/240، 241). 3-المجموع (4/512). وانظر أيضاً المحلى (3/247). 4-أثر ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (5134) من طريق عبد الله بن سلمة، قال الحافظ في الفتح (2/387): وعبد الله صدوق إلا أنه ممن تغير لما كبر. وأثر معاوية أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (5135) من طريق سعيد بن سويد، قال الحافظ في الفتح أيضًا (3/387): وسعيد ذكره ابن عدي في الضعفاء. وانظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي (3/408). 3- ولأنها عيد فجازت في وقت العيد، كالفطر والأضحى، والدليل على أنها عيد، ما أخرجه ابن ماجه مرفوعاً: إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين(1)
، وما أخرجه أبو داود وغيره مرفوعاً: قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان(2)
. وأجاب الجمهور على احتجاجهم، بأن الأثرين المذكورين ضعيفان، لا ينهضان لمعارضة النصوص الصحيحة المستفيضة الأخرى. ولا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً، سواء صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم(3)
. قال ابن قدامة: "وأما في أول النهار، فالصحيح أنها لا تجوز، لما ذكره أكثر أهل العلم، ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل من نصًّ أو ما يقوم مقامه. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه أنهم صلَّوها أول النهار. ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر، وإنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل، وهو مختص بالساعة السادسة، فلم يجز تقديمها عليها، والله أعلم. ولأنها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين، لأن العادة اجتماعهم لها عند الزوال، وإنما يأتيها ضُحى آحاد الناس وعدد يسير"(4)
. وبعد عرض الأدلة ومناقشتها، فالأولى خروجاً من الخلاف كما قال ابن قدامة، حيث قال: "فالأولى أن لا تُصلى إلا بعد الزوال ليخرج من الخلاف، ويفعلها في الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها فيه في أكثر أوقاته، ويُعجَّلها في أول وقتها في الشتاء والصيف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعجَّلها، بدليل الأخبار التي رويناها، ولأن الناس يجتمعون لها في أول وقتها، ويبكرون إليها قبل وقتها، فلو انتظر الإبراد بها لشق على الحاضرين، وإنما جُعل الإبراد بالظهر في شدة الحرَّ، دفعاً للمشقة التي يحصل أعظم منها بالإبراد بالجمعة"(5)
. وأما آخر وقتها فإنها آخر وقت الظهر بالاتفاق، إلا ما حكاه ابن حزم عن مالك من تفريقه بين آخر وقت الجمعة، وبين آخر وقت الظهر، قال ابن حزم: "وهذا قول لا دليل على صحته، وإذ هي ظهر اليوم، فلا يجوز التفريق بين آخر وقتها، من أجل اختلاف الأيام"(6)
. مسألة: إذا خرج وقت الظهر وهم في صلاة الجمعة: قال النووي في شرحه المهذب: "إذا شرعوا فيها في وقتها، ثم خرج وقتها قبل السلام منها، فاتت الجمعة بلا خلاف عندنا، وفي حكم صلاته طريقان؛ أصحهما، وبه قطع المصنف وسائر العراقيين وجماعات من غيرهم: يجب إتمامها ظهراً ويجزئه. 
 

1-سنن ابن ماجه (1098) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وحسنه الألباني في صحيح سن ابن ماجه (901). 2-سنن أبي داود (1073)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (948)، وصحيح الجامع (4241). 3-فتح الباري لابن حجر (2/387). 4-الفتح (2/450). 5-المغني (3/241). 6-المحلى (3/247، 248). والثاني وهو المشهور للخراسانيين: فيه قولان: المنصوص: يتمونها ظهراً، والثاني، وهو مخرج: لا يجوز إتمامها ظهراً، فعلى هذا هل تبطل أو تنقلب نفلاً ؟ فيه القولان السابقان في أول باب صفة الصلاة فيه ونظائره، أصحهما: تنقلب نفلاً. وإن قلنا بالمذهب يتمها ظهراً، أسر بالقراءة من حينئذ، ولا يحتاج إلى نية الظهر، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور، وحكى صاحب البيان وغيره وجهاً أنه تجب نية الظهر وليس بشيء"(1)
. وقال ابن قدامة في المغني: "ظاهر كلام الحزمي، أنه لا يدرك الجمعة إلا بإدراك ركعة في وقتها، ومتى دخل وقت العصر قبل ركعة لم تكن جمعة. وقال القاضي: متى دخل وقت العصر بعد إحرامه بها أتمها جمعة، ونحو هذا قال أبو الخطاب، لأنه أحرم بها في وقتها أشبه ما لو أتمها فيه. والمنصوص عن أحمد أنه إذا دخل وقت العصر، بعد تشهده وقبل سلامه، سلَّم وأجزأته. وهذا قول أبي يوسف ومحمد. وظاهر هذا أنه متى دخل الوقت قبل ذلك، بطلت أو انقلبت ظهراً. وقال أبو حنيفة: إذا خرج وقت الجمعة قبل فراغه منها بطلت، ولا يبني عليها ظهراً، لأنهما صلاتان مختلفان فلا يبني إحداهما على الأخرى، كالظهر والعصر. والظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كما ذكرنا عن أحمد، لأن السلام عنده ليس من الصلاة. وقال الشافعي: لا يتمها جمعة، ويبني عليها ظهراً، لأنهما صلاتا وقت واحد، فجاز بناء إحداهما على الأخرى، كصلاة الحضر والسفر. واحتجوا على أنه لا يتمها جمعة، بأن ما كان شرطاً في بعضها، كان شرطاً في جميعها، كالطهارة وسائر الشروط"(2)
. قال ابن قدامة ـ مرجحاً القول أن من أدرك ركعة في وقتها فإنه يدرك الجمعة ـ: "ولنا، قوله صلى الله عليه وسلم: من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الجمعة(3)
. ولأنه أدرك ركعة من الجمعة، فكان مدركاً لها، كالمسبوق بركعة، ولأن الوقت شرط يختص الجمعة، فاكتُفي به في ركعة، كالجماعة. وما ذكروه ينتقض بالجماعة، فإنه يكتفي بإدراكها في ركعة. فعلى هذا إن دخل وقت العصر قبل ركعة، فعلى قياس قول الحزمي، تفسد ويستأنفها ظهراً، كقول أبي حنيفة. وعلى قول أبي إسحاق بن شاقْلا يتمها ظهراً كقول الشافعي، وقد ذكرنا وجه القولين"(4)
. فائدة: 
 
1-المجموع (4/510). 2-المغني (3/191). 3-أخرجه النسائي (557) عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو عند البخاري (580)، ومسلم (607) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". 4-المغني (3/191، 192). قال في المغني: "إذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب، ثم يصلي ركعة، فقياس قول الحزمي أن له التلبس بها، لأنه أدرك من الوقت ما يدركها فيه، فإن شك هل أدرك من الوقت ما يدركها به أو لا؟ صحَّت، لأن الأصل بقاء الوقت وصحتها"(1)
. 2- تقدم الخطبة على الصلاة: وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور، لقوله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي(2 )
. ولم يصل الجمعة إلا بخطبتين، وهي الذكر المقصود في قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ. وقال السلف: إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة. وقال أبو حنيفة: الخطبة شرط ولكن تجزئ خطبة واحدة، ولا يشترط العدد لسماعها كالأذان. وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أن الجمعة تصح بلا خطبة، وبه قال داود وعبد الملك من أصحاب مالك(3)
. قال النووي: "واتفقت نصوص الشافعي وطرق الأصحاب على أن الجمعة لا تصح حتى يتقدمها خطبتان، ومن شرطها العدد ... ومن شرط الخطبتين كونهما في وقت الظهر، فلو خطب الخطبتين أو بعضهما قبل الزوال، ثم صلى بعدهما، لم يصح بلا خلاف عندنا، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب. وجوزه مالك وأحمد"(4)
. وقال ابن حزم: "وليست الخطبة فرضاً، فلو صلاها إمام دون خطبة، صلاها ركعتين جهراً ولابد"(5)
. ورد على من أوجب الخطبة أو الخطبتين لمجرد فعله صلى الله عليه وسلم، وكذا من جعلها بدلاً من الركعتين، وأنكر حكاية الإجماع بما روي عن الحسن البصري وابن سيرين، وذهب إلى أن الذكر في الآية هو الصلاة وليس الخطبة، وأنكر على من قال ذلك(6)


1-المغني (3/192). 2-أخرجه البخاري (631) عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه. 3-المجموع (4/514)، والمغني (3/170، 173). 4-المجموع (4/514). 5-المحلى (3/262) مسألة (527). 6-المحلى (3/262-266).