أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
فقه الجمعة

 

فقه الجمعة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فمن خلال هذه الصفحة، تقف ـ أيها الزائر الكريم ـ على أهم أحكام وآداب الجمعة، وهي بحوث علمية قام إخوانك أعضاء الفريق العلمي بالمنبر بإعدادها، ولا غنى لهم بعد الله عز وجل عن ملاحظاتك وإسهاماتك، فالمنبر للجميع.
 
معنى الجمعة وسبب تسميته بهذا الاسم ومبدأه: قال الفراء: "يقال الجُمْعة بسكون الميم، والجُمُعة بضم الميم، والجُمَعة بفتح الميم فيكون صفة اليوم، أي تجمع الناس، كما يقال: ضُحَكة للذي يضحك الناس، ففيها ثلاث لغات. والأفصح والأشهر: الجمعة بضم الميم، قال ابن عباس: نزل القرآن بالتشكيل والتضخيم فاقرؤوها جُمُعة". سبب تسميته بالجمعة: قال الحافظ: "قد اختلف في تسمية هذا اليوم بالجمعة، مع الاتفاق أنه كان يسمى في الجاهلية بالعَروبة(1 )
، فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلق جمع فيه. ذكره أبو حذيفة عن ابن عباس، وإسناده ضعيف. وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه. ورد ذلك من حديث سلمان عند أحمد، وابن خزيمة وغيرهما، وله شاهد عن أبي هريرة، ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً بإسناد قوي، وأحمد مرفوعاً بإسناد ضعيف، وهذا أصح الأقوال. ويليه ما أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه، في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة، وكانوا يسمونه يوم العروبة، فصلى بهم، وذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه . وقيل: لأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه، ويذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم .. وقيل: لاجتماع الناس فيه للصلاة"(2)
. مبدأ الجمعة: ذكر ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: ( كنت قائد أبي حين كُفَّ بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان بها، استغفر لأبي أسامة أسعد بن زرارة، فمكث حيناً على ذلك فقلت: إن هذا لعجز، ألا أسأله عن هذا؟! فخرجت به كما كنت أخرج، فلما سمع الأذان للجمعة استغفر له، فقلت: يا أبتاه، أرأيتَ استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان يوم الجمعة؟ قال: أي بني، كان أسعد أول من جمَّع بنا بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هَزْم النَّبيتِ من حَرَّة بني بَياضة، في نقيع يقال له: نقيع الخضمات. قلت: فكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً). قال ابن القيم: "وهذا كان مبدأ الجمعة، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بقباء في بني عمرو بن عوف، كما قاله ابن إسحاق يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسس مسجدهم، 
 
1- قال السهيلي: ومعنى العروبة: الرحمة، فيما بلغنا عن بعض أهل العلم. روح المعاني (28/99). 2-الفتح (2/ 353). ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، وذلك قبل تأسيس مسجده"(1)
. فضل يوم الجمعة: لا خلاف بين العلماء أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وأنه خير يوم طلعت فيه الشمس، فعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة(2)
. وحكى ابن القيم خلاف العلماء في المفاضلة بين يوم الجمعة ويوم عرفة، حيث قال: "فإن قيل: فأيهما أفضل: يوم الجمعة أو يوم عرفة؟ فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة(3)
، وفيه أيضاً حديث أوس بن أوس: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة(4)
. قيل: ذهب بعض العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة، محتجاً بهذا الحديث، وحكى القاضي أبو يعلى رواية أحمد أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر. والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة..."(5)
. لذا ادخَّر الله هذا اليوم لهذه الأمة وخصها به، وأضل عنه اليهود والنصارى، فعن أبي هريرة وحذيفة رضى الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أضل الله عن يوم الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة(6)
. وفي لفظ متفق عليه من حديث أبي هريرة مرفوعاً: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فاليهود غداً والنصارى بعد غد(7)
. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ استأذن رجل من اليهود، فأذن له، فقال: السَّام عَليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك. قالت: فهمت أن أتكلم. قالت: ثم دخل الثانية، فقال مثل ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك، قالت: فهمت أن أتكلم، ثم دخل الثالثة، فقال: السَّام عليكم. قالت: فقلت: بل السام عليكم، وغضب الله، إخوان القردة والخنازير، 
 
1-زاد المعاد (1/373). 2-رواه مسلم (854)، وغيره. 3-رواه ابن حبان في صحيحه (551) وحسنه الأرناؤوط. 4-هذا لفظ مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم، ولفظ ابن حبان: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة... وصححه الأرناؤوط. 5-زاد المعاد (1/59، 60). 6-رواه مسلم (856). 7-رواه البخاري (876)، ومسلم (856). أتحيون رسول الله بما لم يُحيَّه به الله عز وجل؟! قالت: فنظر إليَّ فقال: مَهْ! إن الله لا يُحب الفحش ولا التفحش، قالوا قولاً فرددناه عليهم، فلم يضرنا شيئاً، ولزمهم إلى يوم القيامة، إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها...(1)
. خصائص يوم الجمعة: 1- يوم عيد متكرر. 2- أنه موافق ليوم المزيد. 3- فيه ساعة الإجابة. 4- قراءة: (ألم تنزيل)، والسجدة. 5- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه. 6- قراءة سورة الكهف. 7- جواز الصلاة نصف النهار. 8- فضل الأعمال الصالحة فيه. 9- فيه تقوم الساعة. 10- أقسم الله به. 11- صلاة الجمعة. خصائص يوم الجمعة: كان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، ومن خصائص هذا اليوم: 1- أنه يوم عيد متكرر: فيحرم صومه منفرداً، مخالفة لليهود، وليتقوى على الطاعات الخاصة به، من صلاة ودعاء ونحوه، قال صلى الله عليه وسلم: إن يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده(2)
. 2- أنه موافق ليوم المزيد في الجنة: وهو اليوم الذي يجمع فيه أهل الجنة في وادٍ أفيح، ويُنصب لهم منابرُ من لؤلؤ، ومنابر من ذهب، ومنابر من زبرجد، وياقوت على كثبان المسك، فينظرون إلى ربهم تبارك وتعالى ويتجلى لهم، فيرونه عياناً، ويكون أسرعهم موافاة أعجلهم رواحاً إلى المسجد، وأقربهم منه، أقربهم من الإمام(3)
. وفي حديث أنس الطويل: ... فليس هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا نظراً إلى ربهم ـ عز وجل ـ وكرامته، ولذلك دعي يوم المزيد(4)
 
1-رواه أحمد (6/134، 135)، قال الأرناؤوط: سنده حسن، وله شواهد في الصحيح وغيره. 2-رواه أحمد في المسند (15/157) (ح8012)، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. 3-زاد المعاد (1/63، 64). 4-رواه ابن أبي شيبة وغيره، وانظر صحيح الترغيب والترهيب (1/291)، (ح694). 3- أن فيه ساعة الإجابة: وهي الساعة التي لا يسأل الله عبد مسلم فيها شيئاً إلا أعطاه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يُصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إيَّاه وقال بيده يُقللَّها(1)
. 4- قراءة سورتي الـم  تَنزِيلُ... [سورة السجدة]، وهَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ.. [سورة الإنسان]، في صلاة الفجر يوم الجمعة: وكان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك(2)
، قال ابن تيمية في توجيه ذلك: "إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة، لأنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومهما، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، والسجدة جاءت تبعاً، ليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت". قال ابن القيم: "ويظن كثير من لا علم عنده، أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة، ويسمونها سجدة الجمعة، وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة، استحب قراءة سورة أخرى فيها سجدة(3)
، ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة، دفعاً لتوهم الجاهلين"(4)
. 5- استحباب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وفي ليلته: لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة(5)
. وعن أوس بن أوس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرِمْتَ(6)
؟ فقال: إن الله عز وجل حَّرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء(7)
. قال ابن القيم: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيدُ الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة، فإنما نالته على يده، 
 
1-رواه البخاري (891)، ومسلم (879). 2-رواه البخاري (891)، ومسلم (879). 3-وممن نُقل عنه ذلك من أهل العلم إبراهيم النخعي، فذكر الحافظ عنه عند ابن أبي شيبة بإسناد قواه أن إبراهيم النخعي قال: "يستحب أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة". وعنده من طريقه أيضاً أنه فعل ذلك فقرأ سورة مريم. ومن طريق ابن عون قال: "كانوا يقرؤون في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة". وعنده من طريقه أيضاً قال: "وسألت محمداً ـ يعني ابن سيرين ـ عنه فقال: لا أعلم به بأساً".قال الحافظ: "فهذا قد ثبت عن بعض علماء الكوفة والبصرة، فلا ينبغي القطع بتزييفه"، الفتح (2/440). 4-زاد المعاد (1/375). وانظر كلام الحافظ في الفتح (2/252)، حيث أفاض في ذكر الخلاف في المسألة، وفيه مزيد تفصيل. 5-رواه البيهقي من حديث أنس، وحسنه الأرناؤوط، وهو في الصحيحة (1407). 6-أي بليت. 7-رواه الخمسة إلا الترمذي. وقال الألباني: إسناده صحيح. فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (ص35). فجمع الله لأمته به بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يُسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا تُردُّ سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم، أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته"(1)
. 6- استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلته: فعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له النور ما بين الجمعتين(2)
. وفي رواية له: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، سطع له نور من تحت قدمه إلى عَنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين(3)
. وأما قراءة سورة الدخان فلم يصح الحديث الوارد فيها، وهو حديث الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: من قرأ حـم الدخان في ليلة الجمعة غفر له. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وأورده الألباني في ضعيف سنن الترمذي (545). 7- جواز الصلاة نصف النهار يوم الجمعة دون سائر الأيام من غير كراهة: وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية لحديث: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر ويدَّهن من دُهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يُصلي ما كتب له، ثم يُنصِت إذا تكلَّم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى(4)
. قال ابن القيم: "فندبه إلى الصلاة ما كتب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام"(5)
. ولهذا قال غير واحد من السلف منهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل: خروج الإمام يمنع الصلاة، وخطبته تمنع الكلام، فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار. وأيضاً فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف، ولا يشعرون بوقت الزوال، والرجل يكون متشاغلاً بالصلاة لا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن يخرج ويتخطى رقاب الناس، وينظر إلى الشمس ويرجع، ولا يشرع له ذلك. قال الشافعي: "من شأن الناس التهجير إلى الجمعة، والصلاة إلى خروج الإمام". 
 
1-زاد المعاد (1/376). 2-رواه النسائي والبيهقي والحاكم وصححه الألباني في الصحيحة (2651). 3-أخرجه الحاكم والبيهقي وصححه الأرناؤوط. وأخرجه الدارمي في مسنده موقوفاً على أبي سعيد ورجاله ثقات. ومثله لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع. وقال ابن القيم: "وذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري وهو أشبه" (الزاد 1/378). وأخرجه الدارمي من قوله بلفظ: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أضاء له فيما بينه وبين البيت العتيق. وصححه الألباني في صحيح الجامع (6471). 4-رواه البخاري (2/308، 309). 5-زاد المعاد (1/378). قال البيهقي: "الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رغَّب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء، وذلك يوافق هذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاة نصف النهار يوم الجمعة، وروينا الرخصة في ذلك عن عطاء وطاووس والحسن ومكحول". قال ابن القيم: "اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار على ثلاثة أقول: أحدهما: أنه ليس وقت كراهة بحال، وهو مذهب مالك. الثاني: أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد. الثالث: أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة، فليس بوقت كراهة، وهذا مذهب الشافعي"(1)
. قال الحافظ ابن حجر: "كراهة الصَّلاة نصف النهار هو مذهب الأئمة الثلاثة والجمهور، وخالف مالك فقال: وما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون يُصلَّون نصف النهار. قال ابن عبد البر: وقد روى مالك حديث الصُّنابحي، ولفظه: (ثم إذا استوت قارَنَها، فإذا زالت فارقها) وفي آخره: (ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات). فإما أنه لم يصح عنده، وإما أنه رده بالعمل الذي ذكره. وقد استثنى الشافعي ومن وافقه من ذلك يوم الجمعة"(2)
. 8- أن للأعمال الصالحة فيه مزية عليها في سائر الأيام: فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضاً، وشهد جنازة، وصام يوماً، وراح يوم الجمعة، وأعتق رقبة(3)
. قال ابن القيم في الهدي: "الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتفَّرغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزية بأنواع العبادات واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يوماً يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلَّون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يوم عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان، ولهذا من صح له يوم جمعته وسلِم، سلمت له سائر جمعته، ومن صح له رمضان وسلم، سَلِمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له، صح له سائر عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر..."(4)
. وقال في موضع آخر: "الخامسة والعشرون: أن للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام، والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع، كالصدقة في رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور. 
 
1-زاد المعاد (1/378–380) بتصرف يسير. 2-نقلاً عن عون المعبود. 3-رواه ابن حبان في صحيحه (713) وصححه الألباني في الصحيحة (1023)، وأخرجه أبو يعلى بلفظ: ... من صام يوم الجمعة، وراح إلى الجمعة، وعاد مريضاً، وشهد جنازة، وأعتق رقبةوسنده صحيح كما قال الألباني في الصحيحة (3/21). والمراد أن صيامه وافق يوم الجمعة بدون قصد إلى ذلك، كما في بعض ألفاظ الحديث: من وافق صيامه يوم الجمعة، وعاد مريضاً ... الحديث. وسنده صحيح. المرجع السابق 4-زاد المعاد (1/398). وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره، فيتصدق به سراً، وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل وأولى بالفضيلة..."(1)
. وفي المصنف من حديث ابن عباس عن كعب في الجمعة: "والصدقة فيه أعظم من الصدقة في سائر الأيام"(2)
. 9- أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة، ويُطوى فيه العالم، وتخرب فيه الدنيا، ويُبعث فيه الناس إلى منازلهم من الجنة والنار. وفيه تفزع الخلائق كلها إلا الإنس والجن، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مُصيخة يوم الجمعة، من حين تًصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة، إلا الجن والإنس ...(3)
. 10- أنه قد فُسَّر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه به: فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليوم الموعود: يوم القيامة، واليوم المشهود: يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة ...(4)
. وذكر ابن القيم في الهدي ليوم الجمعة اثنين وثلاثين خصوصية، منها ما ذكرناه هنا، ومنها ما يتعلق بصلاة الجمعة وآدابها، وبعض المسائل المتعلقة بها، من التهيؤ لها، والتبكير إليها، والخطبة لها، والقراءة فيها، وغير ذلك مما سيأتي الحديث عليه، عند الحديث عن صلاة الجمعة، وذكر بعض الخصائص وأشياء فيها نظر، ولم يصح فيها الخبر، كنفي تسجير جهنم في يومها(5)
، واجتماع الأرواح فيه(6)
، وغير ذلك. 
 
1-زاد المعاد (1/407). 2-المصنف (5558) وقال الأرناؤوط: رجاله ثقات، وإسناده صحيح. 3-رواه أبو داود (1046)، والترمذي (491)، والنسائي (1430) وصححه الأرناؤوط وغيره. 4-رواه الترمذي (3336) في التفسير، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره. وذكره ابن كثير في التفسير (4/491) وقال: وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق موسى بن عبيدة الزبدي وهو ضعيف الحديث، وقدمه موقوفاً عن أبي هريرة وهو أشبه. 5-لحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: إن جهنمَّ تُسجَّر إلا يوم الجمعة والحديث رواه أبو داود (1083) وسنده ضعيف وفيه انقطاع، وقد قواه ابن القيم بشواهده، ثم قال: "وسر ذلك ـ والله أعلم ـ أنه أفضل الأيام عند الله، ويقع فيه من الطاعات، والعبادات، والدعوات، والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى، ما يمنع من تسجير جهنم فيه، ولذلك تكون معاصي أهل الإيمان فيه أقل من معاصيهم في غيره، حتى إن أهل الفجور ليمتنعون فيه، مما لا يمتنعون منه في يوم السبت وغيره.وهذا الحديث الظاهر منه أن المراد تسجر جهنم في الدنيا، وأنها توقد كل يوم إلا يوم الجمعة، وأما يوم القيامة، فإنه لا يُفَتَّر عذابُها، ولا يخفف عن أهلها الذين هم أهلها يوماً من الأيام، ولذلك يدعون الخزنة أن يدعوا ربهم ليخفف عنهم يوماً من العذاب، فلا يجيبونهم إلى ذلك". انظر زاد المعاد (1/378، 379، 387) . 6-قال ابن القيم: "الحادية والثلاثون: أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زوارهم ومن يمر بهم ويلم عليهم، ويلقاهم في ذلك اليوم، أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام، فهو يوم يلتقي فيه الأحياء والأموات، فإذا قامت فيه الساعة، التقى الأولون والآخرون وأهل الأرض وأهل السماء، والرب والعبد، والعامل وعمله، والمظلوم وظالمه، والشمس والقمر، ولم تلتقيا قبل ذلك قط، وهو يوم الجمع واللقاء، ولهذا يلتقي الناس فيه في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره، فهو يوم التلاق" زاد المعاد (1/415، 416). 11- صلاة الجمعة: وهي من أعظم خصائص هذا اليوم، لذا أفردناها بالبحث والتفصيل. قال ابن القيم: "الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضُه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاوناً بها طبع الله علي قلبه، وقرب أهل الجنة يومَ القيامة، وسبقهم إلي الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم"(1).
 

1-زاد المعاد (1/376).