استدامة الطاعات
أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
مباحث فقهية حول الجمعة

 

مباحث فقهية حول الجمعة
 
هل تجب الجمعة على المسجون؟
حكم السفر يوم الجمعة:
مسألة: حكم السفر (1):
يوم الجمعة قبل الصلاة: لا خلاف بين العلماء في جواز السفر ليلة الجمعة قبل طلوع الفجر، إلا ما حكاه العبدري عن إبراهيم النخعي أنه قال: "لا يسافر بعد دخول العشاء من يوم الخميس حتى يصلي الجمعة". ذكر هذا الإمام النووي وقال: "وهذا مذهب باطل لا أصل له"(2)
. وأما السفر من طلوع الفجر إلى الزوال، فاختلف العلماء في جوازه على خمسة أقوال، ذكرها الإمام الشوكاني: الأول الجواز: قال العراقي: "وهو قول أكثر العلماء، فمن الصحابة: عمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح، وابن عمر. ومن التابعين: الحسن وابن سيرين والزهري. ومن الأئمة: أبو حنيفة، ومالك في الرواية المشهورة عنه، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل في الرواية المشهورة عنه، وهو القول القديم للشافعي، وحكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم. والقول الثاني المنع منه: وهو قول الشافعي في الجديد، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وعن مالك. والثالث: جوازه لسفر الجهاد دون غيره، وهو إحدى الروايات عن أحمد. والرابع: جوازه للسفر الواجب دون غيره، وهو اختيار إسحاق المروزي من الشافعية، ومال إليه إمام الحرمين. والخامس: جوازه لسفر الطاعة، واجباً كان أو مندوباً، وهو قول كثير من الشافعية، وصححه الرافعي(3)
. وقال النووي: "... وأما السفر بين الفجر والزوال، فقد ذكرنا أن الأصح عندنا تحريمه، وبه قال ابن عمر وعائشة والنخعي، وجوزه عمر بن الخطاب والزبير بن العوام، والحسن وابن سيرين، ومالك وابن المنذر. 
 
1-وأمّا مسألة حكم الجمعة على المسافر فسيأتي الحديث عليها عليها عند ذكر شروط وجوب صلاة الجمعة. 2-المجموع (4/499). 3-نيل الأوطار (3/229-230). واحتج لهم بحديث ابن رواحة رضى الله عنه، وهو حديث ضعيف جداً، وليس في المسألة حديث صحيح"(1)
. وقال ابن القيم بعد أن ذكر الخلاف في السفر قبل الجمعة: "... هذا إذا لم يخف المسافر فوت رفقته، فإن خاف المسافر فوت رفقته وانقطاعه بعدهم، جاز له السفر مطلقاً، لأن هذا عذر يُسقط الجمعة والجماعة. ولعل ما رُوي عن الأوزاعي ـ أنه سُئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته، فقال: ليمض على سفره ـ محمول على هذا، وكذلك قول ابن عمر رضى الله عنه: الجمعة لا تحبس عن السفر. وإن كان مرادهم جواز السفر مطلقاً، فهي مسألة نزاع، والدليل هو الفاصل. على أن عبد الرازق قد روى في مصنفه عن معمر، عن خالد الحذَّاء، عن ابن سيرين أو غيره، أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً عليه ثياب سفر بعدما قضى الجمعة، فقال: ما شأنك؟ قال: أردت سفراً، فكرهت أن أخرج حتى أصلي، فقال عمر: إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها(2)
. فهذا قول يمنع السفر بعد الزوال، ولا يمنع منه قبله. وذكره عبد الرازق أيضاً عن الثوري، عن الأسود بن قيس، عن أبيه قال: أبصر عمر بن الخطاب رجلاً عليه هيئة السفر، وقال الرجل: إن اليوم يوم الجمعة، ولولا ذلك لخرجت، فقال عمر: إن الجمعة لا تحبس مسافراً، فأخرج ما لم يحن الرواح(3)
" (4
). وقد استدل المانعون من السفر يوم الجمعة، قبل دخول وقتها، بحديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ: من سافر يوم الجمعة، دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره(5)
، وحديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: من سافر يوم الجمعة، دعا عليه ملكاه أن لا يصاحب في سفره، ولا تقضى له حاجة(6)
. وذكر الشوكاني الحديثين، وأورد ما يدل على ضعفهما، ثم قال: "والظاهر جواز السفر قبل دخول وقت الجمعة، وبعد دخوله، لعدم المانع من ذلك، وحديث أبي هريرة وكذلك حديث ابن عمر لا يصلحان للاحتجاج بهما على المنع، لما عرفت من ضعفهما، ومعارضة ما هو أنهض منهما، ومخالفتهما لما هو الأصل، فلا ينتقل عنه إلا بناقل صحيح ولم يوجد. وأما وقت صلاة الجمعة، فالظاهر عدم الجواز لمن قد وجب عليه الحضور، إلا أن يخشى حصول مضرة من تخلفه للجمعة، كالانقطاع عن الرفقة التي لا يتمكن من السفر إلا معهم، وما شابه ذلك من الأعذار، وقد أجاز الشارع التخلف عن الجمعة لعذر المطر، فجوازه لما كان أدخل في المشقة منه أولى"(7)
اﻫـ. وقال الألباني رحمه الله: "وليس في السنة ما يمنع من السفر يوم الجمعة مطلقاً، 
 
1-المجموع (4/499-500). 2-أخرجه في المصنف (5539)، قال الأرناؤوط: رجاله ثقات. انظر: زاد المعاد بتعليقه (1/384). 3-المصنف (55537) وقال الأرناؤوط في تعليقه على زاد المعاد (1/384) حاشية (1): رجاله ثقات. وقال الألباني: "وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات" (الضعيفة1/254). 4-زاد المعاد (1/383-384). 5-أخرجه الدارقطني في الأفراد، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو مختلف فيه. انظر: التلخيص الحبير لابن حجر (2/66). 6-قال الألباني في الضعيفة (219): "موضوع". 7-نيل الأوطار (1/239-240). بل روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه سافر يوم الجمعة من أول النهار، ولكنه ضعيف لإرساله ..."(1)
. وكذا ذهب الشيخ ابن عثيمين أن السفر قبل الزوال يوم الجمعة جائز، قال: "وذلك لأنه لم يؤمر بالحضور، فلم يتعلق الطلب به، فجاز له أن يسافر قبل الزوال ..."(2)
. وأما السفر بعد الزوال يوم الجمعة: فذهب عامة العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وداود وغيرهم، إلى أنه لا يجوز السفر بعد الزوال من يوم الجمعة. وذهب أبو حنيفة والأوزاعي إلى جوازه كسائر الصلوات. قال الشوكاني: "وأما وقت صلاة الجمعة فالظاهر عدم الجواز، لمن قد وجب عليه الحضور، إلا أن يخشى حصول مضرة من تخلفه، كالانقطاع عن الرفقة التي لا يتمكن من السفر إلا معهم، وما شابه ذلك من الأعذار..."(3)
. وذهب ابن القيم إلى أنه لا يجوز السفر في يومها، لمن تلزمه الجمعة، قبل فعلها، بعد دخول وقتها(4)
. وقال الشيخ ابن عثيمين في شرحه على زاد المستنقع عند تعليقه على قول المصنف: "ولا يجوز لمن تلزمه السفر في يومها بعد الزوال" قال: "... أي لا يجوز السفر في يومها بعد الزوال لمن تلزمه بنفسه، أو بغيره، وذلك أنه بعد الزوال دخل الوقت بالاتفاق، والغالب أنه إذا دخل الوقت يحضر الإمام، وتُصلى الجمعة، فيحرم أن يسافر". فإذا قال قائل: ما الدليل؟ الجواب: قلنا: قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة:9]، فأمر بالسعي إليها وترك البيع، وكذا يترك السفر، لأن العلة واحدة، فالبيع مانع من حضور الصلاة، والسفر كذلك مانع من حضور الصلاة. لكن المؤلف علق الحكم بالزوال، لأن الزوال هو سبب وجوب صلاة الجمعة، إذ إنه يدخل به الوقت ودخول الوقت سبب، علق الحكم بالسبب، والأولى أن يعلق الحكم بما علق الله به، وهو النداء إلى يوم الجمعة، لأنه من الجائز أن يتأخر الإمام عن الزوال، ولا يأتي إلا بعد الزوال بساعة، فلا ينادى للجمعة إلا عند حضور الإمام... ويستثنى من تحريم السفر مسألتان: الأولى: إذا خاف فوات الرفقة ... لأن هذا عذر في ترك الجمعة نفسها، فيكون عذراً في السفر بعد الزوال(5 )
 
1-الضعيفة (1/254). 2-الشرح الممتع (5/30). 3-نيل الأوطار (3/299-230). 4-زاد المعاد (1/382). 5-ومن ذلك خوف إقلاع الطائرة، فلو فرض أنها ستقلع في وقت صلاة الجمعة، وأنها تفوته إذا جلس ينتظر، فهو معذور له أن يسافر ولو بعد الزوال. الشرح الممتع (5/31). الثانية: إذا كان يمكنه أن يأتي بها في طريقه(1)
...؛ لأن علة التحريم هو خوف فوات الجمعة، وهنا الجمعة لن تفوت(2)
. ساعة الإجابة من يوم الجمعة: وقد اختلف الناس في هذه الساعة: هل هي باقية أو قد رفعت؟ على قولين، حكاهما ابن عبد البر وغيره، والذين قالوا: هي باقية ولم ترفع، اختلفوا: هل هي في وقت من اليوم بعينه، أم هي غير معينة؟ على قولين. ثم اختلف من قال بعدم تعيينها: هل هي تتنقل في ساعات اليوم أولاً ؟ على قولين أيضاً. والذين قالوا بتعيينها، اختلفوا أحد عشر قولاً: الأول: هي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة. الثاني: أنها عند الزوال. حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وأبي العالية. الثالث: أنها إذا أذن المؤذن بصلاة الجمعة. حكاه ابن المنذر عن عائشة. الرابع: أنها إذا جلس الإمام على المنبر يخطب حتى يفرغ. حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أيضاً. الخامس: هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة. قاله أبو بردة. السادس: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة. قاله أبو السوار العدوي. السابع: هي ما بين أن ترتفع الشمس شبراً إلى ذراع. قاله أبو ذر. الثامن: أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس. حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة، وعطاء، وعبد الله بن سلام، وطاووس. التاسع: أنها آخر ساعة بعد العصر. وهو قول أحمد وجمهور الصحابة والتابعين. العاشر: أنها من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة. حكاه النووي. الحادي عشر: أنها الساعة الثالثة من النهار. حكاه صاحب المغني. قال ابن القيم بعد سرد هذه الأقوال: "وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر: الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة. وحجة هذا القول ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى أن عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يُحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة 
 
1-قال في الإنصاف (2/375): "محل خلاف في أصل المسألة: إذا لم يأتِ بها في طريقه، فأما إن أتى بها في طريقه فإنه يجوز له السفر من غير كراهة". 2-الشرح الممتع (5/27-30) بتصرف يسير. الجمعة، قال: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة(1)
. والقول الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق. وحجة هذا القول ما رواه أحمد في مسنده، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجمعة ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه الله إياه، وهي بعد العصر(2)
. وروى أبو داود والنسائي عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يوم الجمعة اثنا عشر ساعة، فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر(3)
. وفي سنن ابن ماجه: عن عبد الله بن سلام قال: قلتُ ـ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم جالس ـ: إنا لنجد في كتاب الله (يعني التوراة) في يوم الجمعة ساعة، لا يوافقها عبد مؤمن يُصلي، يسأل الله عز وجل شيئاً إلا قضى الله له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو بعض ساعة. قلتُ: صدقتَ، أو بعض ساعة. قلتُ: أي ساعة هي؟ قال: هي آخر ساعات النهار. قلتُ: إنها ليست ساعة صلاة، قال: بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس، لا يحبسه إلا الصلاة، فهو في صلاة(4)
" (5)
. قال ابن القيم: "وعندي أن ساعة الصلاة تُرجى فيها الإجابة أيضاً، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة، فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت، لأن لاجتماع المسلمين، وصلاتهم، وتضرعهم، وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيراً في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين. ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم ـ وقد سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى ـ فقال: هو مسجدكم هذا وأشار إلى مسجد المدينة. وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسساً على التقوى، بل كل منهما مؤسس على التقوى. وكذلك قوله في ساعة الجمعة: وهي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة لا ينافي قوله في الحديث الآخر: فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر... وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر، يُعظمها 
 
1-رواه مسلم (853)، وقد أعل بالانقطاع والاضطراب، ولذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب. وانظر: تعليق الأرناؤوط على الحديث في تخريجه على زاد المعاد (1/390)، وانظر أيضاً كلام الحافظ عن الحديث في الفتح (2/489). 2-مسند أحمد (2/272) وفي سنده محمد بن سلمة الأنصاري مجهول، ولكن يشهد له حديث جابر الآتي وغيره. 3-سنن أبي داود (1048)، والنسائي (1430-1432)، وصححه الحاكم (1/278)، والنووي في المجموع (4/461)، وحسنه الحافظ في الفتح (1/31)، والأرناؤوط في تعليقه على زاد المعاد (1/391) حاشية (2). 4-رواه ابن ماجه (1139)، وحسنه الأرناؤوط في تعليقه على زاد المعاد (1/391) حاشية (3)، وقال الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (934): حسن صحيح. 5-زاد المعاد (1/389-390). جميع أهل الملل، وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة، وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنهم. وأما من قال بتنقلها، فرام الجمع بذلك بين الأحاديث، كما قيل ذلك في ليلة القدر، وهذا ليس بقوي، فإن ليلة القدر قد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: فالتمسوها في خامسة تبقى، في سابعة تبقى، في تاسعة تبقى(1)
ولم يجئ ذلك في ساعة الجمعة. وأيضاً فالأحاديث التي في ليلة القدر، ليس فيها حديث صريح بأنها ليلة كذا وكذا، بخلاف أحاديث ساعة الجمعة، فظهر الفرق بينهما. وأما قول من قال: أنها رفعت، فهو نظير قول من قال: إن ليلة القدر رفعت، وهذا القائل، إن أراد أنها كانت معلومة، فرفع علمها عن الأمة، فيقال له: لم يُرفع علمها عن كلَّ الأمة، وإن رفع عن بعضهم. وإن أراد أن حقيقتها وكونها ساعة إجابة رُفعت، فقول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا يعول عليه. والله أعلم"(2)
. وذكر الحافظ ابن حجر الاختلاف في هذه الساعة، وأوصل الأقوال فيها إلى اثنين وأربعين قولاً، ثم زاد قولاً آخر فصار مجموعها ثلاثة وأربعين قولاً، ثم قال: "ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى، وحديث عبد الله بن سلام كما تقدم. قال المحب الطبري: أصح الأحاديث منها حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام، وما عداهما إما موافق لهما أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف. ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه صلى الله عليه وسلم أنسيها بعد أن علمها؟ لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبل أن أنسي. أشار إلى ذلك البيهقي وغيره. وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري أن مسلماً قال: "حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه"، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة. وقال القرطبي: "هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره". وقال النووي: "هو الصحيح، بل الصواب". وجزم في الروضة بأنه الصواب، ورجحه أيضاً بكونه مرفوعاً صريحاً وفي أحد الصحيحين. وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البر: "إنه أثبت شيء في هذا الباب". وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. ورجحه كثير من الأئمة أيضاً كأحمد وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني ـ شيخ الشافعية في وقته ـ كان يختاره ويحكيه عن نص الشافعي. وأجابوا عن كونه ليس في أحد الصحيحين، بأن الترجيح بما في الصحيحين أو أحدهما، إنما هو حيث يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه أعل بالانقطاع والاضطراب ..."(3)
 
1-رواه البخاري (2021) عن ابن عباس رضي الله عنهما. 2-زاد المعاد (1/394-397) بتصرف يسير. 3-الفتح (2/483-498). وقال ابن المنير في الحاشية: "إذا علم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة ولليلة القدر، بعث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بيَّن لاتكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها"(1)
. وقريب من هذا قول ابن عمر: "إن طلب الحاجة في يوم ليسير". ومعناه: أنه ينبغي المداومة على الدعاء يوم الجمعة كله ليمر بالوقت الذي يستجاب فيه الدعاء. وكان كعب الأحبار يقول: "لو أن إنساناً قسم جمعة في جمع، لأتى على تلك الساعة". قال ابن المنذر: "معناه أنه يبدأ فيدعو في جمعة من الجمع، من أول النهار إلى وقت معلوم، ثم في جمعة أخرى من ذلك الوقت إلى آخر، حتى يأتي على آخر النهار". قال الحافظ: "والذي قاله ابن عمر يصلح لمن يقوى على ذلك، وإلا فالذي قاله كعب الأحبار سهل على كل أحد"(2)
. اختلف العلماء في حكم إفراد يوم الجمعة بالصوم: فكرهه أحمد، قال الأثرم: "قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديث النهي عن أن يفرد، ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه، وأما أن يفرد فلا. قلت: رجل كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فوقع فطره يوم الخميس، وصومه يوم الجمعة، وفطره يوم السبت، فصار الجمعة مفرداً؟ قال: هذا إلا أن يتعَّمد صومه خاصة، إنما كُرِه أن يتعمد الجمعة". وأباح مالك وأبو حنيفة صومه كسائر الأيام، قال مالك: "لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه، ومن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه ". قال ابن عبد البر: "اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم الجمعة، فروى ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقال: قلما رأيته مفطراً يوم الجمعة" (3)
. والأصل في يوم الجمعة أنه عمل بر، لا يُمنع منه إلا بدليل لا معارض له. قال ابن القيم: "قد صح المعارض صحةً لا مطعن فيها البتة، ففي الصحيحين عن محمد بن عباد، قال: سألت جابراً: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم(4)
. وفي صحيح مسلم عن محمد بن عباد قال: سألت جابر بن عبد الله، وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم وربَّ هذه البَنيَّة(5)
 
1-الفتح (2/489). 2-الفتح (2/484). 3-رواه أحمد في المسند (1/406)، والترمذي (742)، والنسائي (2368)، وحسنه الأرناؤوط في تعليقه على زاد المعاد (1/417) حاشية (1). 4-رواه البخاري (4/203)، ومسلم (1143). 5-رواه مسلم (1143). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يُصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده(1)
. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم(2)
. وفي صحيح البخاري عن جويرية بنت الحارث: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: فتريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا. قال: فأفطري(3)
" (4)
. قال الحافظ في الفتح: "وهذه الأحاديث تقيد النهي المطلق في حديث جابر، وتؤيد الزيادة التي تقدمت من تقييد الإطلاق بالإفراد، ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده، أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها، كمن يصوم الأيام البيض، أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة، فوافق يوم الجمعة، ويؤخذ منه جواز صومه، لمن نذر يوم قدوم زيد مثلاً، أو يوم شفاء فلان"(5)
. علة كراهة صوم يوم الجمعة: قال ابن القيم في الزاد: "وذكر ابن جرير عن مغيرة عن إبراهيم: أنهم كرهوا صوم الجمعة ليقووا على الصلاة. قلت ـ أي ابن القيم ـ: المأخذ في كراهيته ثلاثة أمور: هذا أحدها، ولكن يشكل عليه، زوال الكراهية بضم يوم قبله، أو بعده إليه. والثاني: أنه يوم عيد، وهو الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم، قد أورد على هذا التعليل إشكالان: أحدهما: أن صومه ليس بحرام، وصوم يوم العيد حرام. والثاني: أن الكراهة تزول بعدم إفراده. وأجيب على الإشكالين، بأنه ليس عيد العام، بل عيد الأسبوع، والتحريم إنما هو لصوم عيد العام، وأما إذا صام يوماً قبله، أو يوماً بعده، فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة وعيداً، فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه، بل يكون داخلاً في صيامه تبعاً، وعلى هذا يجمل ما رواه الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ في مسنده، والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود ـ إن صح ـ قال: قلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يوم الجمعة. فإن صح هذا تعين حمله على أنه كان يدخل في صيامه تبعاً، لا أنه كان يفرده، لصحة النهي عنه. والمأخذ الثالث: سد الذريعة من أن يُلحق بالدَّين ما ليس فيه، ويوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية، وينضم إلى هذا المعنى: أن هذا اليوم لما كان ظاهر الفضل على الأيام، كان الداعي إلى صومه قوياً، فهو في مظنة تتابع الناس في صومه، واحتفالهم به، ما لا يحتفلون بصوم 
 
1- رواه البخاري (4/203) واللفظ له، ومسلم (1144). 2-رواه مسلم (1144). 3-رواه البخاري (4/203). 4-انظر زاد المعاد (1/ 416-419). 5-الفتح (4/275). يوم غيره، وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه، ولهذا المعنى ـ والله أعلم ـ نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي، لأنها من أفضل الليالي، حتى فضَّلها بعضهم على ليلة القدر، وحكيت رواية عن أحمد، فهي في مظنة تخصيصها بالعبادة فحسم الشارع الذريعة، وسدًّها بالنهي عن تخصيصها بالقيام. والله أعلم"(1)
. هل يُستحب جماع الأهل قبل الجمعة؟ ذهب بعض العلماء إلى استحباب ذلك، واحتج بألفاظ بعض الأحاديث التي استنبط منها ذلك، ومن ذلك: ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعاً: من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة.... قال الحافظ في الفتح: "قوله: غسل الجنابة بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي غسلاً كغسل الجنابة، وهو كقوله تعالى: وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ [النمل:88]. وفي رواية ابن جريج عن سمي عند عبد الرازق: فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة، وظاهره: أن التشبيه للكيفية لا للحكم، وهو قول الأكثر. وقيل: فيه إشارة إلى الجماع يوم الجمعة، ليغتسل فيه من الجنابة، والحكمة فيه أن تسكن نفسه في الرواح إلى الصلاة، ولا تمتد عينه إلى شيء يراه، وفيه حمل المرأة أيضاً على الاغتسال ذلك اليوم. قال النووي: ذهب بعض أصحابنا إلى هذا وهو ضعيف أو باطل، والصواب الأول. اﻫـ. وقد حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد، وثبت أيضاً عن جماعة من التابعين، وقال القرطبي: أنه أنسب الأقوال، فلا وجه لادعاء بطلانه، وإن كان الأول أرجح، ولعله عنى أنه باطل في المذهب"(2)
. قال النووي في المجموع: "وقوله صلى الله عليه وسلم: غسل الجنابة معناه غسلاً كغسل الجنابة في صفاته، وإنما قال ذلك لئلا يتساهل فيه، ولا يكمل آدابه ومندوباته، لكونه سنة ليس بواجب، هذا هو المشهور في معناه، ولم يذكر جمهور أصحابنا وجماهير العلماء غيره. وحكى القاضي أبو الطيب في تعليقه، وصاحب الشامل وغيرهما من أصحابنا، أن بعضهم حمله على الغسل من الجنابة حقيقة. قالوا: والمراد به أنه يستحب له أن يجامع زوجته، إن كان له زوجة أو أمته لتسكن نفسه في يومه، ويؤيده الحديث المذكور بعد هذا من غسل واغتسل على أحد المذاهب في تفسيره"(3)
. ومن ذلك أيضاً ما رواه أصحاب السنن من حديث أوس بن أوس مرفوعاً: من اغتسل يوم الجمعة وغسَّل، وبكَّر وابتكر... الحديث(4)
. قال المباركفوري: "قوله: من اغتسل وغسَّل رُوي بالتشديد والتخفيف( )، قيل: أراد به غسل رأسه، وبقوله: (اغتسل) غسل سائر بدنه. 
 
1-زاد المعاد (1/411، 420). 2-الفتح (2/426). 3-المجموع (4/539). 4-أخرجه الترمذي (496)، والنسائي (1381, 1384, 1398), وأبو داود (345), وابن ماجه (1087)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (690-691-693). وقيل: جامع زوجته فأوجب عليها الغسل، فكأنه غسَّلها واغتسل. وقيل: كرر ذلك للتأكيد. ويُرجح التفسير الأول ما في رواية أبي داود في هذا الحديث بلفظ: من غسل رأسه واغتسل، وما في البخاري عن طاووس: قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اغتسلوا واغسلوا رؤوسكم.... وقال وكيع: اغتسل هو وغسَّل امرأته. قال الجزري في النهاية: ذهب كثير من الناس أن غسَّل أراد به المجامعة، قبل الخروج إلى الصلاة، لأن ذلك يجمع غض الطرف في الطريقين، يقال: غسَّل الرجل امرأته بالتشديد والتخفيف، إذا جامعها، وقد روي مخففاً، وقيل: أراد غسَّل غيره، واغتسل هو، لأنه إذا جامع زوجته أحوجها إلى الغسل، وقيل: هما بمعنى، كرره للتأكيد"(2)
. هل تجب الجمعة على المسجون؟ صرح الفقهاء بأن للوالي والقاضي منع المسجون من الخروج للجمعة والجماعة ونحوهما. فإن كان حبسه لسبب يمكن دفعه، كالمماطلة في دفع الدين فهو آثم، وإن كان حبسه لسبب لا يمكن دفعه، كمن حُبس ظلماً، كما هو حال كثير من الدعاة والعلماء في كثير من بلاد الإسلام، حيث يتعرضون للحبس والسجن أعواماً طويلة، وغالباً ما يمنعون من شهود الجمعة حتى في السجن، في حين يسمح لغيرهم، وهذا معلوم مشاهد، فهل يجب على من كان هذا حاله إقامة الجمعة في محبسه؟! وإذا علمنا أنه في كثير من السجون، يكون المسجونون موزعين على غرف (زنزانات)، لا يسمح لساكنيها بالخروج منها والالتقاء بغيرهم، فمعنى ذلك أن تقام جمعات بعدد الغرف (الزنزانات)، فما حكم ذلك؟ ذهب ابن حزم وكثير من الشافعية، إلى أن السجناء يقيمون صلاة الجمعة في السجن. قال ابن حزم: "وسواء فيما ذكرنا ـ من وجوب الجمعة ـ المسافر في سفره والعبد والحر المقيم، وكل ما ذكرنا يكون إماماً فيها، راتباً وغير راتب، ويصليها المسجونون، والمختفون ركعتين في جماعة بخطبة كسائر الناس، وتصلى في كل قرية صغرت أم كبرت، كان هناك سلطان أو لم يكن، وإن صليت الجمعة في مسجدين في القرية فصاعداً جاز ذلك"(3)
. وقال صاحب رسالة حكم الحبس في الشريعة الإسلامية: "وإذا كان أهل السجن لا يخرجون للجمعة، فإنه يلزمهم إقامتها في السجن، إذا توفرت شروطها، ويعين لهم الإمام خطيباً منهم، أو من خارج السجن، وذلك لعموم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اجمعوا حيثما كنتم)"(4)
 
2-وذهبوا إلى أنهما بمعنى واحد, وأنه من الكلام المتظاهر الذي يراد به التوكيد, ولم تقع المخالفة بين اللفظين لاختلاف المعنيين. انظر: المغني (1/167)، تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري (3/3)، عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق العظيم آبادي (2/8). 3-المحلى (3/252) مسألة (523). 4-حكم الحبس في الشريعة الإسلامية (ص33). وفي الاحتجاج بهذا الأثر المروي عن عمر رضى الله عنه على ما ذهب إليه نظر، إذ إن عمر رضى الله عنه قد خالفه غيره من الصحابة في هذه المسألة، وقال الحافظ: "فلما اختلفت الصحابة وجب الرجوع إلى المرفوع"(1)
. وهذا في مسألة اشتراط المدينة للجمعة، فكيف يستفاد العموم من هذا القول إذن؟!. وجاء في طبقات الشافعية الكبرى أن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ كان يصلي بأهل السجن، عندما سجن في فتنة القول بخلق القرآن، وكان يقول: "إني كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد"(2)
. وكان الإمام البويطي ـ رحمه الله تعالى ـ وهو في الحبس بسبب هذه الفتنة، يغتسل كل جمعة ويتطيب، ويغسل ثيابه، ثم يخرج إلى باب السجن إذا سمع النداء، فيرده السجان، ويقول: ارجع رحمك الله، فيقول البويطي: "اللهم إني أجبت داعيك فمنعوني"(3)
. مسألة: حكم تعدد الجمعة في المصر الواحد: اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال(4)
: الأول: أنه لا يجوز جمعتان في بلد، لا يعسر الاجتماع فيه في مكان. وهو مذهب الشافعي، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر ومالك وأبي حنيفة. الثاني: أنه إذا عظم البلد كبغداد والبصرة، جاز جمعتان فأكثر إن احتاجوا، وإلا فلا يجوز أكثر من جمعة واحدة. وهو مذهب أحمد. الثالث: يجوز في بغداد دون غيرها، وهو قول أبي يوسف، لأن الحدود تقام فيها في موضعين، والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين، جازت إقامة الجمعة في موضعين. الرابع: يجوز جمعتان سواء كان جانبان أم لا. وهو قول محمد بن الحسن. الخامس: يجوز في البلد جمع دون تقيد بحاجة أو بغيرها. وهو قول عطاء وداود وابن حزم والشوكاني. ويمكن أن نخلص من ذلك إلى ثلاثة أقوال: الأول: أن التعدد ممنوع مطلقاً. الثاني: أنه جائز بقدر الحاجة. الثالث: أنه يجوز مطلقاً من غير حاجة. وهو قول عطاء وداود وابن حزم والشوكاني. احتج الأولون على مذهبهم بالآتي: 1- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يُجمع إلا في مسجد واحد، وكذلك الخلفاء بعده، ولو جاز لم يعطلوا المساجد. حتى إن الإمام أحمد سئل عن تعدد الجمعة؟ فقال: ما علمت أنه صلي في المسلمين أكثر من جمعة واحدة. 
 
1-الفتح (2/442). 2-الفتح (2/442). 3-طبقات الشافعية الكبرى (2/ 165). 4-انظر المجموع (4/591), والمغني (3/212). 2- ما نقله ابن حجر عن ابن عساكر، في مقدمة تاريخ دمشق "أن عمر كتب إلى أبي موسى، وإلى عمرو بن العاص، وإلي سعد ابن أبي وقاص، أن يتخذوا مسجداً جامعاً للقبائل، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى المسجد الجامع فشهدوا الجمعة". قالوا: فلو لم يكن الموضع الواحد شرطاً في صحتها، لما أمرهم عمر رضى الله عنه بتحمل هذه المشقة الناتجة عن تركهم لقبائلهم، واجتماعهم في المسجد الكبير الجامع. 3- قول ابن عمر: (لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر، الذي يصلي فيه الإمام). 4- أن القول بتعدد الجمعة يؤدي لفوات المقصود الأعظم، وهو اجتماع المسلمين وائتلافهم. واحتج القائلون بجواز التعدد مطلقاً بالآتي: 1- قول عمر: (جمعوا حيث كنتم). 2- قول عطاء: "لكل قوم مسجد يجمعون فيه، ثم يجزئ ذلك عنهم". 3- لو كان منع التعدد شرطاً لصحة الجمعة، لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وأما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة جمعتين فلِغِناهم عن إحداهما، ولأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم، لأنه المبلغ عن الله تعالى، وشارع الأحكام، ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار، صليت في أماكن، ولم يُنكر فصار إجماعاً، وقول ابن عمر يعني أنها لا تقام في المساجد الصغار، ويترك الكبير، وأما اعتبار ذلك بإقامة الحدود فلا وجه له. 4- قياساً على جواز التعدد في صلاة العيد، فكان علي رضي الله عنه يخرج يوم العيد إلى المصلى، ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود فيصلي بهم، فتقاس الجمعة على العيد، بجامع أن كليهما صلاة، شرع لها الاجتماع والخطبة. 5- أن في القول بإقامة الجمعة في موضع واحد حرجاً بيناً، والحرج مدفوع شرعاً. قال الشوكاني: "هذه المسألة ـ تعدد الجمعة ـ قد اشتهرت بين أهل المذاهب وتكلموا فيها، وصنف فيها من صنف منهم، وهي مبينة على غير أساس، وليس عليها إشارة من علم قط، وما ظنه بعض المتكلمين من كونه دليلاً عليها، هو بمعزل من الدلالة، وما أوقعهم في هذه الأقوال الفاسدة، إلا ما زعموه من الشروط، التي اشترطوها بلا دليل ولا شبهة دليل. فالحاصل أن صلاة الجمعة صلاة من الصلوات، يجوز أن تقام في وقت واحد، كما تقام جماعات سائر الصلوات في المصر الواحد، ولو كانت المساجد متلاصقة، ومن زعم خلاف هذا، فإن كان مستند زعمه مجرد الرأي، فليس ذلك بحجة على أحد، وإن كان مستند زعمه الرواية فلا رواية"(1)
. واحتج أصحاب القول الثاني القائلين بجواز التعدد للحاجة، بأدلة القول الأول، إلا أنهم حملوها على أنه لم يكن هناك حاجة لتعدد الجمعة، فلما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار، صليت في أماكن، ولم ينكر فصار إجماعاً(2)
 
1-السيل الجرار (1/303). 2-المغني (3/212). قال ابن قدامة: "فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز أكثر من واحدة، وإن حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد، لا نعلم في هذا مخالفاً إلا أن عطاء قيل له: إن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر. قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه، ويجزئ ذلك من التجميع في المسجد الأكبر. وما عليه الجمهور أولى، إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة، إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك، ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل..."(1)
. قال ابن عثيمين: "والمراد بالحاجة هنا ما يشبه الضرورة ... ومثل الحاجة إذا ضاق المسجد عن أهله، ولم يمكن توسيعه ... وكذا إذا تباعدت أقطار البلد، وصار الناس يشق عليهم الحضور، فهذا أيضاً حاجة ... ومن الحاجة أيضاً أن يكون بين أطراف البلد حزازات وعداوات، يخشى إذا اجتمعوا في مكان واحد أن تثور فتنة، فهنا لا بأس أن تعدد الجمعة، لكن هذا مشروط بما إذا تعذر الإصلاح، أما إذا أمكن الصلح، وجب الإصلاح وتوحيدهم على إمام واحد. وليس من الحاجة أن يكون الإمام مسبلاً أو فاسقاً، لأن الصحابة صلوا خلف الحجاج بن يوسف، وهو من أشد الناس ظلماً وعدواناً، يقتل العلماء والأبرياء ..."(2)
. وبعد عرض الأدلة والنظر في أقوال كل فريق، فإذا كانت أدلة القائلين بعدم جواز التعدد مطلقاً، لا تخلو من نظر واعتراض، كذا فإن القول بجوازه مطلقاً خروج عن مقصود الجمعة من الاجتماع، ويبقى القول بجوازها للحاجة هو أقربها، إلا أن القول بعدم صحة الصلاة وبطلانها، إذا كان التعدد لغير حاجة، لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع أو دليل صحيح، وغاية عدم الفعل لا تدل على بطلان الفعل أو عدم جوازه، وقد سبق إجابة ابن قدامة وغيره، عن تركه صلى الله عليه وسلم إقامة جمعتين، وما نقل من آثار وأقوال، فمع وجود ما يعارضها، فيمكن حملها على اعتبار مصلحة راجحة في حينها، وربما كان راجعاً لرغبتهم في تكثير سواد المسلمين، بالنسبة لمن حولهم من غير المسلمين، خاصة في البلدان المفتوحة حديثاً، والتي تضم المسلمين وغيرهم، والله أعلم. مسألة: اجتماع الجمعة مع العيد: اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: الأول: وجوبها على أهل البلد، وسقوطها عن أهل القرى. وهو مذهب الشافعي، قال النووي: "وبه قال عثمان بن عفان ن وعمر بن عبد العزيز، وجمهور العلماء ". واحتج الشافعية ومن وافقهم بما رواه البخاري في صحيحه، عن عثمان رضى الله عنه قال في خطبته: (أيها الناس، قد اجتمع عيدان في يومكم، فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليصل، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف)(3)
. ولأنهم إذا قعدوا في البلد لم يتهيؤوا بالعيد، فإن خرجوا ثم رجعوا للجمعة كان عليهم في ذلك مشقة، والجمعة تسقط بالمشقة. 
 
1-المغني (3/212). 2-الشرح الممتع (5/95, 96). 3-البخاري (5573). الثاني: تسقط الجمعة عمن صلى العيد من أهل القرى وأهل البلد، ولكن يجب الظهر. وهو مذهب الإمام أحمد، واختاره ابن قدامة، واحتج له بحديث زيد بن أرقم قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم العيد، ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يُصلي فليصل(1)
. وفي لفظ لأحمد: من شاء أن يجمع فليجمع(2)
. قال ابن قدامة: "ولأن الجمعة إنما زادت عن الظهر بالخطبة، وقد حصل سماعها في العيد، فأجزأ عن سماعها ثانياً، ولأن وقتهما واحد بما بيناه، فسقطت إحداهما بالأخرى، كالجمعة مع الظهر". وفي وجوبها على الإمام روايتان: الأولى: لا تسقط، لقوله عليه الصلاة والسلام: قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون(3)
. ولأن الإمام لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه، ومن يريدها ممن سقطت عنه، بخلاف غيره من الناس. الثانية: تسقط، لعموم قوله: فمن شاء، ولما أخرجه النسائي وأبو داود عن وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخَّر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب ثم نزل فصلى، ولم يصلَّ للناس يوم الجمعة، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: (أصاب السنة)، وفي رواية أبي داود: (فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر)(4)
. قال الشوكاني: "ويدل على أن الترخيص عام لكل أحد ترك ابن الزبير للجمعة، وهو الإمام إذ ذاك، وقول ابن عباس: (أصاب السنة)، رجاله رجال الصحيح، وعدم الإنكار عليه من أحد من الصحابة، وأيضاً لو كانت الجمعة واجبة على البعض لكانت فرض كفاية، وهو خلاف معنى الرخصة"(5)
. قال المنبر: وهذا الذي ذكره الإمام الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ فيه نظر، إذ يحتمل أن يكون ابن الزبير رضى الله عنه قد قدَّم الجمعة إلى قبل الزوال على القول بذلك، بل هذا هو الظاهر، لأن ابن الزبير أخر الصلاة عن الخطبة، ومعلوم أن خطبة العيد تتأخر عن الصلاة بخلاف الجمعة. ويؤيده قول ابن عباس: (أصاب السنة)، إذ السنة في حق الإمام صلاة الجمعة وإن صلى العيد، كما هو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: وإنا مجمعون، والله أعلم. الثالث: لا تسقط عن أهل البلد ولا أهل القرى. وهو قول أبي حنيفة، وابن حزم. واحتج أصحاب هذا القول بعموم الآية، والآثار الدالة على وجوبها، قالوا: "ولأنهما صلاتان واجبتان، فلم تسقط إحداهما بالأخرى". وقال ابن حزم: "ولا يصح أثر بخلاف ذلك"(6)
 
1-رواه أبو داود (1070)، والنسائي (1591)، وابن ماجه (1310) , وصححه الألباني بشواهده (تمام المنة ص344). 2-المسند (4/372). 3-رواه أبو داود (1073) عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (948). 4-سنن النسائي (1592)، وسنن أبي داود (1071)، وهو في صحيح سنن النسائي (1501)، وصحيح سنن أبي داود (947). 5-نيل الأوطار (3/283). 6-المحلى (3/303) مسألة (547). وقد أجاب ابن قدامة على أدلة أصحاب القول الثالث فقال: "ما احتجوا به مخصوص بما رويناه، وقياسهم منقوض بالظهر مع الجمعة"(1)
. وأما الشافعية ومن وافقهم، فقد تأولوا الأخبار في سقوط الجمعة عمن صلى العيد على أهل القرى. وحديث زيد نص في موضع النزاع، وهو عام في أهل البلد وغيرهم. وأما الإمام فلا تسقط عنه لما ذكرناه، والله أعلم. هل يُصلى الظهر إذا ترك الجمعة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: الأول: تجب الظهر على من صلى العيد ولم يصل الجمعة. وهو قول جمهور العلماء. الثاني: لا تجب الظهر على من صلى العيد. وهذا قول عطاء، وقال ابن المنذر: "وروينا نحوه عن علي بن أبي طالب وابن الزبير رضي الله عنهم"(2)
. واحتج عطاء بما رواه هو قال: "اجتمع يوم الجمعة ويوم عيد على عهد ابن الزبير، فقال: ( عيدان اجتمعا) فجمعها جميعاً، فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر"(3)
. قال الشوكاني: "قوله: (لم يزد عليهما حتى صلى العصر)، ظاهره أنه لم يصل الظهر، وفيه أن الجمعة إذا سقطت بوجه من الوجوه المسوغة، لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظهر، وإليه ذهب عطاء"(4)
. قال الخطابي: "وهذا لا يجوز أن يحمل إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة فسقط العيد والظهر، ولأن الجمعة إذا سقطت مع تأكدها، فالعيد أولى أن يسقط بها، أما إذا قدم العيد، فإنه يحتاج إلى أن يُصلي الظهر في وقتها، إذا لم يصل الجمعة"(5)
. وتعقب الشوكاني هذا التوجيه فقال: "ولا يخفى ما في هذا الوجه من التعسف"(6)
. ويشهد لتوجيه الخطابي ما جاء في رواية النسائي: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخّر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب، ثم نزل فصلى، ولم يصل للناس يوم الجمعة، فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: (أصاب السنة)(7)
. ففيها أن الصلاة بعد الخطبة، وهذا معلوم أنه في الجمعة لا في العيد. وكذلك قول ابن عباس: (أصاب السنة)، ظاهره أنها الجمعة، إذ السنة في حق الإمام صلاة الجمعة، وإن صلى العيد، كما هو الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم: وإنا مجمعون والله أعلم. 
 
1-المغني (3/243). 2-المجموع (4/492). 3-قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم. وقد تقدم تخريجه. 4-نيل الأوطار (3/283). 5-المغني (3/243). 6-نيل الأوطار (3/283). 7-صحيح النسائي (1501) وقد تقدم.