أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
أحكام وآداب الجمعة


أحكام وآداب الجمعة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذه جملة من البحوث العلمية الشاملة المتعلقة بفقه الجمعة، تطرقنا من خلالها لأهم ما يحتاجه المسلم من فقه هذا اليوم المبارك.
 
السواك حكم صلاة الجمعة تخصيص لباس للجمعة التهيؤ لها التبكيرللجمعة الغسل لها استحباب المشي التنظف تخطي الرقاب الطيب والدهن حكم صلاة الجمعة: قال ابن القيم: "صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه، وأفرضُه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاوناً بها طبع الله على قلبه، وقرب أهل الجنة يومَ القيامة، وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد، بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم"(1)
. صلاة الجمعة واجبة، وهي من آكد فروض الإسلام، وفرضها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع(2)
. الأدلة من القرآن: قال الله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة:9]. قال ابن قدامة: "فأمر بالسعي، ومقتضى الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، ونهى عن البيع، لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهى عن البيع من أجلها"( ). قال القرطبي: "فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم، ردًّا على من يقول: إنها فرض على الكفاية، وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان، لقول الله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ..."( ). 
 
1-زاد المعاد (1/376). 2-قال النووي: "فالجمعة فرض عين على كل مكلف غير أصحاب الأعذار والنقص المذكورين، وهذا هو المذهب، وهو المنصوص للشافعي في كتبه، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق، إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما عن بعض الأصحاب أنه غلط فقال: هي فرض كفاية. قالوا: وسبب غلطه أن الشافعي قال: من وجبت عليه الجمعة وجبت عليه صلاة العيدين، قالوا: وغلط من فهمه، لأن مراد الشافعي قال: من خوطب بالجمعة وجوبا خوطب بالعيدين متأكداً. واتفق القاضي أبو الطيب، وسائر من حكى هذا الوجه على غلط قائله. قال القاضي أبو إسحاق المروزي: لا يحل أن يحكى هذا عن الشافعي، ولايختلف أن مذهب الشافعي أن الجمعة فرض عين، ونقل ابن المنذر في كتابيه :كتاب الإجماع والأشراف، إجماع المسلمين على وجوب الجمعة..." المجموع (4/483). الأدلة من السنة: 1- قوله صلى الله عليه وسلم: لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين(2)
. 2- قوله صلى الله عليه وسلم: من ترك ثلاث جُمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه(3)
. 3- قوله صلى الله عليه وسلم: رواح الجمعة واجب على كل محتلم(4)
. من الإجماع: حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين(5)
. فضل من أتى الجمعة: ففي صحيح البخاري عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طُهر، ويدَّهن من دُهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يُصلي ما كتب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى(6)
. وروى الإمام أحمد في مسنده عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم. قال: ولكني أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته، إلا كانت كفارة لما بينه وبين الجمعة المُقبلة ما اجتنبت المَقتلة(7)
. وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من غسَّل يوم الجمعة، واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنته، أجر صيامها وقيامها(8)
. وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدَّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يُصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام(9)
 
2-أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة (865). 3-رواه أبو داود (1052) من حديث أبي الجعد الضمري رضي الله عنه، وقال الألباني في صحيح أبي داود (928): حسن صحيح. 4-رواه النسائي (3/89) من حديث حفصة رضي الله عنها، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (1299). 5-الإحكام في شرح أصول الأحكام، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، (ص433). 6-صحيح البخاري (883). 7-رواه أحمد في المسند (5/439) والطبراني في الكبير (6/237)، وحسنه الهيثمي في المجمع (2/174)، وعزاه للطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، ولكن فيه عنعنة المغيرة بن مقسم. 8-رواه أبو داود (345)، وأورده الألباني في صحيح أبي داود (333). 9-رواه مسلم (857). التهيؤ للجمعة والاهتمام بها: 1- الاشتغال عن القيلولة(1)
والغذاء بالتهيؤ والاستعداد للجمعة: روى البخاري عن سهل رضى الله عنه قال: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة)(2)
. قال الحافظ: "فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة، وينصرفون فيتداركون ذلك"(3)
. الغسل للجمعة(4)
وحكمه ووقته: حكم غسل الجمعة: جاءت أحاديث وآثار كثيرة في بيان فضل غسل الجمعة والتأكيد عليه، فمن ذلك: 1- ما أخرجه الجماعة عن ابن عمر مرفوعاً: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل، وفي لفظ لمسلم: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل(5)
. 2- ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعاً: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه(6)
. 3- ما أخرجاه أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل فيه رأسه وجسده(7)
. 4- ما أخرجاه أيضاً عن ابن عمر: أن عمر بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين، فناداه عمر: أيةُ ساعة هذه؟! فقال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأتُ. قال: والوضوء أيضاً ؟! وقد علمَّت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل!(8)
. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على مشروعية غسل الجمعة وتأكيده، وقد اختلف الناس في ذلك. 
 
1-القيلولة: الاستراحة وسط النهار، وإن لم يكن معها نوم. 2-رواه البخاري (939). 3-الفتح (2/496). 4-والمقصود الغسل للصلاة لا لليوم على الصحيح من أقوال العلماء. قال الحافظ في الفتح في شرحه حديث: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل". قال: "... وظاهره أن الغسل يعقب المجئ، وليس ذلك المراد، وإنّما التقدير: إذا أراد أحدكم، وقد جاء مصرحًا به في رواية الليث عن نافع عند مسلم، ولفظه: "إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل" ... ويقوي رواية الليث حديث أبي هريرة الآتي قريبًا بلفظ: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح ..." فهو صريح في تأخير الرَّواح عن الغسل، وعرف بهذا فساد قول من حمله على ظاهره، واحتجّ به على أنّ الغسل لليوم لا للصلاة، لأنّ الحديث واحد ومخرجه واحد، وقد بيَّن الليث في روايته المراد ..." الفتح (2/419). وقال الحافظ: "وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة، ولا فعل ما أمر به" الفتح (2/417). 5-أخرجه البخاري في الجمعة (877) وفي غيره، ومسلم فيه (844) من حديث ابن عمر رضي الله عنه. 6-أخرجه البخاري في الأذان (858) وفي غيره، ومسلم في الجمعة (846) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. 7-أخرجه البخاري في الجمعة (898) وفي غيره، ومسلم في الجمعة (849) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. 8-أخرجه البخاري في الجمعة (878) و(882)، ومسلم فيه (845) من حديث ابن عمر رضي الله عنه. قال النووي: "واختلف العلماء في غسل الجمعة، فحكي وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه شارع الغنية لابن سريج قولاً للشافعي". وقد حكى الخطابي وغيره الإجماع على أن الغسل ليس شرطاً في صحة الصلاة وأنها تصح بدونه، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه مستحب. قال القاضي عياض: "وهو المعروف من مذهب مالك والصحابة". واحتج من أوجبه بظواهر هذه الأحاديث، واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة: منها: حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل، وقد ذكره مسلم، وهذا الرجل هو عثمان بن عفان جاء مبيناً في الرواية الأخرى. ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأمَرَّه عمر وحاضرو الجمعة وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجباً لما تركه ولألزموه. ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فبها ونعِمتْ، ومن اغتسل فالغسل أفضل(1)
حديث حسن في السنن مشهور. وفيه دليل على أنه ليس بواجب. ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: لو اغتسلتم يوم الجمعة(2)
. وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب، لأن تقديره لكان أفضل وأكمل ونحو هذا من العبادات. ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام(3)
. قال القرطبي في تقرير الاستدلال بهذا الحديث على الاستحباب: "ذكر الوضوء وما معه مرتباً عليه الثواب المقتضي للصحة، ويدل على أن الوضوء كاف". وقال ابن حجر في التلخيص: "إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة". وأجابوا عن الأحاديث الواردة في الأمر به أنها محمولة على الندب جمعاً بين الأحاديث(4)
. مناقشة أدلة الفريقين: أما أدلة القائلين بالوجوب، فقد نوقشت كالتالي: 1- أما حديث: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه. 2- وكذا حديث: حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً …. 
 
1-أخرجه الترمذي في الجمعة (497)، والنسائي فيه (1380)، وأبو داود في الطهارة (354)، وأحمد في المسند (19585، 19612، 19661، 19664) وفي غيره من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، وحسّنه الألباني في صحيح أبي داود (341). 2-أخرجه البخاري في الجمعة (903) وفي غيره، ومسلم في الجمعة (847) من حديث عائشة رضي الله عنها. 3-أخرجه مسلم (857) عن أبي هريرة رضي الله عنه. 4-انظر: فتح الباري (2/362). فأجاب الجمهور عنها بأن قوله: حق وقوله: واجب المراد به متأكد في حقه، كما يقول الرجل لصاحبه: حقك علي، وليس المراد الوجوب المتحتم المستلزم للعقاب، بل المراد أنه متأكد حقيق بأن لا يخل به(1)
. وأجاب القائلون بالوجوب على هذا التأويل بأن هذا الحديث ضعيف، قال ابن دقيق العيد: "إنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحاً في الدلالة على هذا الظاهر"(2)
. أجاب الجمهور أيضاً على الحديث الأول، بأن اقتران الأمر بالسواك والطيب، بالأمر بالغسل قرينة صارفة عن الوجوب، قال القرطبي: "ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعاطف، فالتقدير: الغسل واجب والاستنان والطيب كذلك. قال: وليسا بواجبين اتفاقاً، فدل على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد.اﻫـ(3)
. وأجيب على هذا الاعتراض من وجهين: الأول: أنه لا يمنع عطف ما ليس بواجب على الواجب، لا سيما ولم يقع التصريح بحكم المعطوف، قاله ابن الجوزي. وقال ابن المنير في الحاشية: "إن سلم أن المراد بالواجب الفرض، لم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجب عليه، لأن للقائل أن يقول: أخرج بدليل، فبقي ما عداه على الأصل"(4)
. الثاني: أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة، فقد روى سفيان في جامعه عن أبي هريرة أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة(5)
. وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر. 3- وأما الحديث: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل، فإنه محمول على الندب، والقرينة الصارفة عن الوجوب؛ هذه الأدلة المتعاضدة، والجمع بين الأدلة ما أمكن هذا الواجب, وقد أمكن بهذا، فيصار إليه. وأما أدلة الجمهور القائلين بالاستحباب والندب لا الوجوب، فقد نوقشت كالتالي: 1- أما حديث عثمان الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل. فأجاب القائلون بالوجوب عن هذا الحديث، بأنه حجة على القائل بالاستحباب له. قال الشوكاني: "لأن إنكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع، على مثل ذلك الصحابي الجليل، وتقرير جمع الحاضرين الذين هم جمهور الصحابة، ولو كان الأمر عندهم على عدم الوجوب، لما عدل ذلك الصحابي في الاعتذار على غيره، فأي تقرير من عمر ومن حضر بعد هذا؟!… "(6)
. اعترض الجمهور على ذلك بأنه أنكر عليه ترك السنة المذكورة، وهي التبكير إلى الجمعة وليس ذلك واجباً اتفاقاً، فيكون الغسل كذلك. 
 
1-نيل الأوطار (1/234). 2-نيل الأوطار (1/243). 3-الفتح (2/421). 4-الفتح (2/421). 5-قال ابن المنير عن هذا الأثر: "إسناده صحيح" انظر: فتح الباري (2/ 421-422). 6-نيل الأوطار (1/234). كما أن القول بترك عثمان الغسل مع اعتقاده بوجوبه، يلزم منه تأثيم عثمان رضى الله عنه. وأجاب القائلون بالوجوب على الاعتراض الثاني، بأن عثمان رضى الله عنه معذور لأنه إنما تركه ذاهلاً عن الوقت، قال الحافظ: "مع أنه يحتمل أن يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في صحيح مسلم عن حمران أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخر، لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة كما هو الأفضل"(1)
. 2- وأما حديث: من توضأ فبها نعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل. فاعترض القائلون بالوجوب بأن للحديث طرقاً أشهرها وأقواها فيه علتان، كما قال الحافظ في الفتح(2)
: "إحداهما: أنه من عنعنة الحسن. والأخرى: أنه اختلف عليه فيه". وسائر طرق الحديث ضعيفة. قال ابن دقيق العيد: "ولا يقاوم سنده سند هذه الأحاديث" اهـ. أي أحاديث الوجوب. أجاب الجمهور أن الحديث يصلح للاحتجاج به، وقد حسنه غير واحد من الأئمة، فيصلح قرينة صارفة للأمر عن الوجوب إعمالاً للدليلين، ولغيره من الأدلة. 3- وأما حديث عائشة قالت: (كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي، فيأتون في العَبَاء، فيصبهم الغبار والعرق، فتخرج منهم الريح... الحديث) وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: لو اغتسلتم يوم الجمعة. أجاب القائلون بالوجوب عن الحديث بأنه ليس فيه نفي الوجوب، وبأنه سابق على الأمر به والإعلام بوجوبه، ولا يلزم من زوال العلة سقوط الوجوب تعبداً، ولا سيما مع احتمال وجود العلة المذكورة، كالسعي فإنه واجب مع زوال العلة التي شرع لها، وهي إغاظة المشركين، وكذلك وجوب الرمي مع زوال ما شرع له، وهو ظهور الشيطان بذلك المكان(3)
. أجاب الجمهور بأنه فرق بين زوال العلة معقولة المعنى، كما هي في الأمر بغسل الجمعة، وبين العلة التي مبناها على التعبد وامتثال الأمر، كما في السعي والرمي ونحوهما، فتبقى دلالة الحديث وظاهر اللفظ، دليلاً على الندب والمشروعية لا الوجوب. 4- وأما حديث: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له. فأجاب القائلون بالوجوب عن الحديث بأن ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ: من اغتسل فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء، لمن تقدم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء... الترجيح: قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد أن ساق أدلة الفريقين: "وبهذا يتبين لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلة على عدم الوجوب، وعدم إمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب، 
 
1-فتح الباري (2/421). 2-الفتح (2/421). 3-نيل الأوطار بتصرف (1/235). والفتح (2/422). لأنه وإن أمكن بالنسبة إلى الأوامر، لم يمكن بالنسبة إلى لفظ: (واجب) و(حق) إلا بتعسف لا يلجئ طلب الجمع إلى مثله، ولا يشك من له أدنى إلمام بهذا الشأن، أن أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه، لأن أوضحها دلالة على ذلك حديث سمرة، وهو غير سالم من مقال ... وأما بقية الأحاديث فليس فيها إلا مجرد استنباطات واهية..."(1)
. وقال الصنعاني في سبل السلام: "... فالأحوط للمؤمن أن لا يترك غسل الجمعة ... وفي الهدي النبوي الأمر بالغسل يوم الجمعة مؤكد جداً، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر..."(2)
. وقت الغسل: اختلف العلماء في وقت الغسل للجمعة، وتعلقه بالذهاب إليها على ثلاثة أقوال: الأول: اشتراط الاتصال بين الغسل والرواح. وإليه ذهب مالك ووافقه الأوزاعي والليث. لحديث: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل، وفي لفظ مسلم: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل. الثاني: عدم اشتراط ذلك، ويجزئ من بعد الفجر، لكن لا يجزئ فعله بعد صلاة الجمعة، ويستحب تأخيره إلى الذهاب، وإلى هذا ذهب الجمهور. الثالث: أنه لا يشترط تقدم الغسل على صلاة الجمعة، فلو اغتسل قبل الغروب أجزأ عنه، وإليه ذهب داود، ونصره ابن حزم، وحجتهما تعلق الغسل ـ في الأحاديث ـ باليوم، لا بالصلاة. وقد أنكر هذا القول ابن دقيق العيد وقال: يكاد يجزم ببطلانه، وحكى ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة(3)
. فائدة: قال النووي: "قال أصحابنا: ووقت جواز غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى أن يدخل في الصلاة ... قالوا: ولا يجوز قبل الفجر. وانفرد إمام الحرمين بحكاية وجه أنه يجوز قبل طلوع الفجر، كغسل العيد على أصح القولين. والصواب المشهور أنه لا يجزئ قبل الفجر، ويخالف العيد، فإنه يُصلى في أول النهار، فيبقى أثر الغسل، لأن الحاجة تدعو إلى تقديم غسل العيد، لكون صلاته أول النهار، فلو لم يجز قبل الفجر ضاق الوقت، وتأخر التبكير إلى الصلاة"(4)
. قال الشوكاني: "والظاهر ما ذهب إليه مالك. لأن مجمل الأحاديث التي أطلق فيها: اليوم على حديث الباب(5)
المقيد بساعة من ساعاته واجب، والمراد بالجمعة اسم سبب الاجتماع، وهو الصلاة لا اسم اليوم"(6)
. قال الحافظ: "ومقتضى النظر أن يقال: إذا عرف أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة والتنظف؛ رعاية الحاضرين من التأذي بالرائحة الكريهة، فمن خشي أن يصيب في أثناء النهار ما يزيل تنظفه، 
 
1-نيل الأوطار (1/235). 2-سبل السلام (1/181). 3-الفتح (2/417)، وانظر أيضًا: النيل (1/235، والمغني (3/227). 4-المجموع (4/534). 5-وهو حديث: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"، ولفظ مسلم: "إذا أراد أحدكم أن يأتي في الجمعة فليغتسل". 6-نيل الأوطار (1/235). أن يؤخر الغسل لوقت ذهابه، ولعل هذا هو الذي لحظه مالك، فشرط اتصال الذهاب بالغسل، ليحصل الأمن مما يغاير التنظف والله أعلم"(1)
. مسألة: هل يشرع الغسل لمن لم يحضر الجمعة؟ قال الحافظ: "واستدل من مفهوم الحديث(2)
على أن الغسل لا يشرع لمن لم يحضر الجمعة، وقد تقدم التصريح بمقتضاه في آخر رواية عثمان بن واقد عن نافع. وهذا هو الأصح عند الشافعية، وبه قال الجمهور خلافاً لأكثر الحنفية"(3)
. ويدل لقول الجمهور ما أخرجه البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء"(4)
قال النووي: "رواه البيهقي بهذا اللفظ بإسناد صحيح"(5)
. مسألة: هل يجزئ غسل الجنابة لمن حصلت له عن غسل الجمعة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: أن غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة وإن لم ينوه، وأن الغسل حيث وقع في الجمعة قبل الصلاة كفى، أياً كان سببه. وهذا قول جمهور العلماء. قال ابن المنذر: "حفظنا الإجزاء عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين"(6)
. قال الحافظ في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: اغتسلوا يوم الجمعة وإن لم تكونوا جنباً. قال: "معناه: اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنباً للجنابة، وإن لم تكونوا جنباً للجمعة" وأخذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة، يجزئ عن الجمعة سواء نواه للجمعة أم لا، وفي الاستدلال به على ذلك بعد(7)
. الثاني: أنه لا يجزئ ولابد ليوم الجمعة من غسل مخصوص، وهذا قول ابن حزم وجماعة. قال ابن حزم: "برهان ذلك قول الله تعالى: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ [البينة:5]. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فيصح يقيناً أنه مأمور بكل غسل من هذه الأغسال، فإذا قد صح ذلك، فمن الباطل أن يجزئ عمل عن عملين أو أكثر..."(8)
 
1-الفتح (2/417). 2-وهو حديث الباب: "إذا جاء أحدكم ...". 3-الفتح (2/421). 4-سنن البيهقي الكبرى (3/188). 5-المجموع (4/534)، وانظر: المغني (3/288، 229)، وانظر أيضًا: كلام النووي في هذه المسألة في المجموع (4/533، 534). 6-الفتح (2/433). 7-الفتح (2/433). 8-المحلى (2/43). وحكى ابن حزم هذا القول عن جماعة من السلف، منهم جابر بن زيد، والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي، والحكم وطاووس وعطاء، وعمرو بن شعيب والزهري، وميمون بن مهران. وقد نقل الحافظ عن أبي قتادة أنه قال لابنه وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: "إن كان غسلك عن جنابة فأعد غسلاً آخر للجمعة" أخرجه الطحاوي وابن المنذر وغيرهما(1)
. القول الثالث: أنه لا يجزئ عنه إلا بالنية، أي إذا نوى الكل. قال النووي: "وأما إذا وجب عليه يوم الجمعة غسل جنابة، فنوى الغسل عن الجنابة والجمعة معاً، فالمذهب صحة غسله لهما جميعاً، وبه قطع المصنف والجمهور..."(2)
. واحتج أصحاب هذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. قال النووي في شرح المهذب: "... ولو نوى الغسل للجنابة حصل بلا خلاف، وفي حصول غسل الجمعة قولان: أصحهما عند المصنف في التنبيه والأكثرين: لا يحصل، لأن الأعمال بالنيات، ولم ينوه. وأصحهما عند البغوي حصوله، والمختار أنه لا يحصل"(3)
. وحمل الحافظ كلام أبي قتادة لابنه على ذلك، حيث قال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: غسل يوم الجمعة، قال: "... واستنبط منه أيضاً أن ليوم الجمعة غسلاً مخصصاً، حتى لو وجدت صورة الغسل فيه، لم يجز عن غسل الجمعة إلا بالنية، وقد أخذ بذلك أبو قتادة، فقال لابنه وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: إن كان غسلك عن جنابة فأعد غسلاً آخر للجمعة"(4)
. قال المنبر: لكن هناك وجه آخر يمكن أن يحمل عليه كلام أبي قتادة غير الإجزاء وعدمه، ألا وهو تحصيل فضيلة مخصوصة لمن يقصد إلى غسل الجمعة وينويه، كما جاء عند ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم عن عبد الله بن أبي قتادة قال: "دخل علي أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غسلك هذا من جنابة أو للجمعة؟ قلت: من جنابة. قال: أعد غسلاً آخر، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى"(5)
. فائدة: قال الحافظ في الفتح: "حكى ابن العربي وغيره أن بعض أصحابهم قالوا: يجزئ عن الاغتسال للجمعة التطيب، لأن المقصود النظافة. وقال بعضهم: لا يشترط له الماء المطلق بل يجزئ بماء الورد ونحوه. 
 
1-الفتح (2/420). 2-المجموع (4/534). 3-المجموع (4/535). وانظر أيضًا: المغني (3/228). 4-الفتح (2/420)، وانظر: تمام المنة (ص 129، 130). 5-السلسلة الصحيحة (2321). 
 
1-وقد عاب ابن العربي ذلك وقال: هؤلاء وقفوا مع المعنى، وأغفلوا المحافظة على التعبد بالمعين، والجمع بين التعبد والمعنى أولى" انتهى. وعكس ذلك قول بعض الشافعية بالتيمم(1)
، فإنه تعبد دون نظر المعنى. أما الاكتفاء بغير الماء المطلق فمردود، لأنها عبادة لثبوت الترغيب فيها فيحتاج إلى النية، ولو كان لمحض النظافة لم تكن كذلك، والله أعلم"اﻫـ(2)
. ونقل ابن عثيمين عن شيخ الإسلام قوله: "جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها، فإنه لا يتيمم عنها، لأن التيمم إنما شرع للحدث. ومعلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير، لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه(3)
. 3- التنظف: والتنظف أمر زائد على الاغتسال، جاءت به السنة كما في حديث سلمان مرفوعاً عند البخاري: لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى(4)
. والتنظف أمر زائد عن الاغتسال، ويكون بقطع الرائحة الكريهة وأسبابها من الشعور التي أمر الشارع بإزالتها، فيسن حلق العانة، ونتف الإبط، وحف الشارب، وتقليم الأظافر، وهذا لا يكون كل جمعة. ولكن يتأكد إذا فحشت، وقد وقّت النبي صلى الله عليه وسلم لها أن لا تزيد عن أربعين يوماً. 4- استعمال الطيب والدُّهن: فيسن استعمال الطيب إن وجد، لحديث أبي سعيد قال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الغسل واجب على كل محتلم، وأن يستن وأن يمس طيباً إن وجد(5)
. قال عمرو بن سليم راوي الخبر: "أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب، فالله أعلم أواجب هو أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث"(6)
. وبوب البخاري في صحيحه للحديث بقوله: "باب الطيب للجمعة". قال الحافظ: "لم يذكر حكمه أيضاً لوقوع الاحتمال فيه كما سبق"(7)
. وقوله: إن وجد وفي رواية مسلم: و يمس من الطيب ما يقدر عليه فهذا يدل على تأكده كما قال النووي، ويؤخذ من اقتصاره على المس؛ الأخذ بالتخفيف في ذلك. 
 
1-واختاره النووي وصوبه، وقال: "لأنّه طهارة شرعية فناب عنها التيمم كغيرها". المجموع (2/202). وانظر أيضًا: هذه المسألة في المجموع (4/534). 2-الفتح (2/423). 3-الشرح الممتع (5/110، 111) بتصرف يسير. 4-صحيح البخاري (883). 5-رواه البخاري (880)، ومسلم (846). 6-انظر: المحلى (2/9). 7-الفتح (2/423). وجاء في رواية لمسلم: ولو من طيب المرأة. قال الحافظ: "وهو ما ظهر لونه وخف ريحه"(1)
. قال النووي: "فأباحه للرجل هنا للضرورة لعدم غيره، وهذا يدل على تأكيده والله أعلم"(2)
. واختلف العلماء في حكم الطيب، والجمهور أنه سنة وليس بواجب، وحكى القرطبي الإجماع على ذلك حيث قال في تعليق على الحديث: "ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعطف، فالتقدير: الغسل واجب، والاستنان والطيب كذلك. قال: وليسا بواجبين اتفاقاً، فدل على أن الغسل ليس بواجب"(3)
. وقد اعترض على دعوى الإجماع، حيث نقل الحافظ عن ابن المنير قوله: "...وعلى أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة، فقد روى سفيان بن عيينة في جامعه عن أبي هريرة: أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة وإسناده صحيح. وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر"(4)
. وأما استحباب الدُّهن(5)
فلحديث سلمان الفارسي عند البخاري مرفوعاً: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طُهر ويدَّهن من دُهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى(6)
. وقد بوب البخاري للحديث بقوله: "باب الدُّهن للجمعة". قال الحافظ: "قوله: (ويدَّهن) المراد به إزالة شعث الشعر به، وفيه إشارة إلى التزين يوم الجمعة"(7)
. 5- استعمال السواك: وقد دلت السنة على استحباب السواك للجمعة، لحديث أبي سعيد قال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الغسل واجب على كل محتلم، وأن يستن وأن يمس طيباً إن وجد، ولعموم الأحاديث في استحباب السواك لكل صلاة. وقد بوب البخاري في صحيحه بقوله: "باب السواك يوم الجمعة...". قال الزين بن المنير: "لما خصت الجمعة بطلب تحسين الظاهر من الغسل والتنظيف والتطيب، ناسب ذلك تطيب الفم الذي هو محل الذكر والمناجاة، وإزالة ما يضر الملائكة وبني آدم"(8)
. وقال الحافظ في تعليق على حديث حذيفة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام الليل يشوص فاه)، ووجه مناسبته لعنوان الترجمة قال: "ووجه مناسبته أنه شرع في الليل لتجمل الباطن، فيكون في الجمعة أحرى، لأنه شرع لها التجمل في الباطن والظاهر"(9)
 
1-الفتح (2/424). 2-شرح النووي على مسلم (6/135). 3-الفتح (2/421). 4-الفتح (2/421، 422). 5-ويجوز الدَّهن بالفتح. 6-البخاري (883). 7-الفتح (4/432). 8-الفتح (2/436). 9-الفتح (2/436). 6- تخصيص لباس حسن للجمعة: لحديث عبد الله بن سلام عند أبي داود وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما على أحدكم إن وجد ـ أو ما على أحدكم إن وجدتم ـ أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوبي مهنته(1)
. قال في عون المعبود: "والحديث يدل على استحباب لُبس الثياب الحسنة يوم الجمعة، وتخصيصه بملبوس غير ملبوس سائر الأيام"(2)
. وقد بوب البخاري في صحيحه: باب يَلبس أحسن ما يجد، وأورد فيه حديث ابن عمر: (أن عمر رأى حلة سِيراء(3)
عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة)(4)
، ووجه الاستدلال من جهة تقريره صلى الله عليه وسلم لعمر على التجمل يوم الجمعة، وقصر الإنكار على لبس تلك الحلة لكونها كانت حريراً. 7- التبكير إلى الجمعة: فيستحب التبكير إلى الجمعة لحديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر(5)
. قال ابن القيم في توجيه اختصاص الجمعة بذلك: "أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملاً على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يومَ صلاة، فجعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلاً من القربان وقائماً مقامه، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة والقربان". ودل الحديث على استحباب التبكير إلى الجمعة في الساعة الأولى، وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على ثلاثة أقوال، ذكرها النووي في شرح المهذب، قال: "الأول: الصحيح عند المصنف والأكثرين: من طلوع الفجر. والثاني: من طلوع الشمس.وبه قطع المصنف في التنبيه، وينكر عليه الجزم به. والثالث: أن الساعات هنا لحظات لطيفة بعد الزوال، واختاره القاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهما من الخراسانيين، وهو مذهب مالك..."(6)
. واحتج أصحاب هذا القول عليه بحجتين: إحداهما: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال. الثانية: أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار، وقال: "لم ندرك عليه أهل المدينة". 
 
1- رواه أبو داود (1078)، ومالك (244)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (953). 2- عون المعبود (3/292). 3- سيراء: أي حرير. انظر: لسان العرب (4/389) [سير]. 4- صحيح البخاري (886)، وانظر: الفتح (2/434، 435). 5- أخرجه البخاري (881)، ومسلم (850) من حديث أبي هريرة. 6- المجموع (4/540). وقال: "أما الذي يقع بقلبي، فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات...". قال أبو عمر ابن عبد البر: "والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضاً العمل بالمدينة عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل، لأنه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء". قال فمن الآثار التي يحتج بها مالك، ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان يوم الجمعة، قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الناس، الأول فالأول، فالمهَجَّر إلى الجمعة كالمُهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة... الحديث(1)
. فجعل الأول مُهَجَّراً، وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقت طلوع الشمس. وقال النووي في الرد على قول مالك ومن وافقه: "... ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الجمعة متصلاً بالزوال، وكذلك جميع الأئمة في جميع الأمصار، وذلك بعد انقضاء الساعة السادسة، فدل على أنه لا شيء من الهدى والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولا يكتب له شيء أصلاً، لأنه جاء بعد طي الصحف، ولأن ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل فضيلة الصف الأول وانتظارها، والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال شيء منه، ولا فضيلة للمجيء بعد الزوال، لأن النداء يكون حينئذ، ويحرم التأخير عنه..."(2)
. وقال ابن قدامة في الرد على قول مالك أيضاً: "... وأما قول مالك فمخالف للآثار، لأن الجمعة يُستحب فعلها عند الزوال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبكر بها، ومتى خرج الإمام طويت الصحف، فلم يُكتب من أتى الجمعة بعد ذلك، فأي فضيلة لهذا؟!..."(3)
. وقال ابن القيم في الرد على أدلة مالك ومن وافقه: "قلت: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور(4)
: إحداها: على لفظة الرواح، وأنها لا تكون إلا بعد الزوال. والثاني: لفظة التهجير، وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر. والثالث: عمل أهل المدينة، فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار. 
 
1-أخرجه من هذا الطريق: النسائي (1386-1387)، وابن ماجه (1092)، وهو من طريق أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة مرفوعًا في البخاري (929) ومسلم (850). 2-المجموع (4/541). 3-المغني (3/167). 4-زاد الحافظ في الفتح أمرًا رابعًا، قال: "واحتج من كره التبكير أيضًا بأنه يستلزم تخطي الرقاب في الرجوع لم عرضت له حاجة فخرج لها ثم رجع، وتعقب بأنّه لا حرج عليه في هذه الحالة، لأنّه قاصد الوصول لحقّه، وإنّما الحرج على من تأخر عن المجيء ثم جاء فتخطى، والله سبحانه وتعالى أعلم". الفتح (2/430) فأما لفظة الرواح، فلا ريب أنها تطلق على المضي بعد الزوال، وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرنت بالغدو، كقوله تعالى: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12]، وقوله صلى الله عليه وسلم: من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح..."(1)
. وقد يطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي، وهذا إنما يجيء إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو. وقال الأزهري في التهذيب: "سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت، يقال: راح القوم: إذا ساروا، وغدوا كذلك ... ومن ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخفة إليها، لا بمعنى الرواح بالعشي". وأما لفظ التهجير والمهجَّر، فمن الهجير والهاجرة، قال الجوهري: "هي نصف النهار عند اشتداد الحر، تقول منه: هجَّر النهار... ويقال: أتينا أهلنا مهجَّرين، أي في وقت الهاجرة والتهجير، والتهجُّر: السير في الهاجرة، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة". قال آخرون: "الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح، فإنه يطلق ويراد به التبكير". قال الأزهري في التهذيب: "روى مالك عن سُمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه(2)
. أو في حديث آخر مرفوع: المهجَّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة(3)
". قال: "ويذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث، تفعيل من الهاجرة وقت الزوال، وهو غلط، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النضر بن شُميل أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير والمبادرة إلى كل شيء، قال: سمعت الخليل يقول ذلك. قاله في تفسير هذا الحديث". قال الأزهري: "وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس...". قال الأزهري:"وسائر العرب يقولون: هجَّر الرجل: إذا خرج وقت الهاجرة...". قال ابن القيم: "وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أوَّل النهار، فهذا غاية عملهم في زمان مالك رحمه الله، وهذا ليس بحجة، ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجة، فإن هذا ليس فيه إلا تركُ الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز للضرورة، وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه، وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار. ولا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة، وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى، أفضل من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: والذي ينتظر الصلاة ثم يُصليها مع الإمام، أفضل من الذي يصلي ثم يروح إلى أهله(4)
، وأخبر أن الملائكة لم تزل تصلي عليه مادام في مصلاه(5)
، 
 
1-رواه البخاري ( 662 )، ومسلم (669) من حديث أبي هريرة. 2-رواه البخاري (615). 3-أخرجه البخاري (929) ومسلم (850)، واللفظ للنسائي (1385) عن أبي هريرة رضي الله عنه. 4-أخرجه البخاري (615)، ومسلم (662) عن أبي موسى الأشعري ولفظه: "إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام". 5-أخرجه البخاري (445)، ومسلم (649) عن أبي هريرة. وأخبر أن انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، وأنه الرَّباط(1)
، وأخبر أن الله يُباهي ملائكته بمن قضى فريضة وجلس ينتظر أخرى(2)
. وهذا يدل على أن من صلَّى الصبح، ثم جلس ينتظر الجمعة، فهو أفضل ممن يذهب ثم يجيء في وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك، لا يدل على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها والتبكير في أول النهار"(3)
. وقال الخطابي في شرح هذا الحديث: "معنى راح: قصد الجمعة وتوجه إليها مبكراً قبل الزوال". قال: "وإنما تأولناه هكذا؛ لأنه لا يتصور أن يبقى بعد الزوال خمس ساعات في وقت الجمعة". قال: "وهذا شائع الكلام، تقول: راح فلان بمعنى قصد، وإن كان حقيقة الرواح بعد الزوال والله أعلم"(4)
. واختلف في المراد بالساعات، أهو المتبادر إلى الذهن من العرف فيها، قال الحافظ: "وفيه نظر: إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الأمر في اليوم الشاتي والصائف، لأن النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات، وفي الطول إلى أربع عشرة. وهذا الإشكال للقفَّال، وأجاب عنه القاضي حسين بأن المراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول والقصر، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، لكن يزيد كل منها وينقص، والليل كذلك، وهذه تسمى الساعات الآفاقية عند أهل الميقات، وتلك التعديلية، وقد روى أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث جابر مرفوعاً: يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة وهذا وإن لم يرد في حديث التبكير، فيستأنس به في المراد بالساعات. وقيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلى الزوال، وأنها تنقسم إلى خمس. وتجاسر الغزالي فقسمها برأيه، فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها، والرابعة إلى أن ترمص الأقدام، والخامسة إلى الزوال. واعترضه ابن دقيق العيد بأن الرد إلى الساعات المعروفة أولى، وإلا لم يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى، لأن المراتب متفاوتة جداً..."(5)
. فائدة: قال النووي: "من جاء في أول ساعة من هذه الساعات، ومن جاء في آخرها، مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو غيرهما، ولكن بدنة الأول، أكمل من بدنة من جاء في آخر الساعة، وبدنة المتوسط متوسطة..."(6)
 
1-أخرجه مسلم (251) عن أبي هريرة . 2-أخرجه مسلم (2701) عن معاوية بن أبي سفيان. 3-زاد المعاد (1/403-407) بتصرف يسير. 4-نقلاً عن المجموع (4/541). 5-الفتح (2/428، 429)، بتصرف يسير. انظر أيضًا: نيل الأوطار (3/237-239). 6-المجموع (4/541). وانظر أيضًا: الفتح (2/430). قال ابن قدامة: "والمستحب أن يمشي ولا يركب، لقوله: ومشى ولم يركب(1)
. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يركب في عيد ولا في جنازة(2)
. والجمعة في معناهما، وإنما لم يذكرها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان باب حجرته شارعاً في المسجد يخرج منه إليه، فلا يحتمل الركوب. ولأن الثواب علي الخطوات..."(3)
. قال النووي: "... قوله صلى الله عليه وسلم: ومشى ولم يركب فقد قدمنا عن حكاية الخطابي عن الأثرم أنه للتأكيد، وأنهما بمعنى. والمختار أنه احتراز من شيئين: أحدهما: نفي توهم حمل المشي على المضي والذهاب وإن كان راكباً. والثاني: نفي الركوب بالكلية، لأنه لو اقتصر على المشي لاحتمل أن المراد وجود شيء من المشي، ولو في بعض الطريق، فنفى ذلك الاحتمال، وبين أن المراد مشي جميع الطريق، ولم يركب في شيء منها..."(4)
. قال ابن قدامة في المغني: "ويستحب أن يكون عليه السكينة والوقار في حال مشيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم الإقامة فامشوا، وعليكم السكينة والوقار، ولا تُسرعوا(5)
، ولأن الماشي إلى الصلاة في صلاة، ولا يشبك بين أصابعه، ويقارب بين خطاه، لتكون أكثر لحسناته، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه خرج مع زيد بن ثابت إلى الصلاة، فقارب بين خطاه، ثم قال: إنما فعلتُ لتكثر خطانا في طلب الصلاة(6)
" (7)
. قال النووي في شرح المهذب: "...واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن السنة أن يمشي إلى الجمعة بسكينة ووقار، وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم... وأما قول الله تعالى: إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِفمعناه: اذهبوا وامضوا، لأن السعي يطلق على الذهاب وعلى العدْو، فبينت السنة المراد به"(8)
. وقد بوب البخاري في صحيحه: باب المشي إلى الجمعة وقول الله جل ذكره: فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ... وأورد حديث: لا تأتوها وأنتم تسعون(9)
. قال الحافظ: "إِشارة منه إلى أن السعي المأمور به في الآية، 
 
1-وهو جزء من حديث رواه أحمد (2/209) وأصحاب السنن من حديث أوس بن أوس مرفوعًا، ولفظه: "من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع، ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها". 2-ذكره الشافعي في الأم بلاغًا (1/233) قال الحافظ في التلخيص الحبير (2/83): لا أصل له. 3-المغني (3/168). 4-المجموع (4/543، 544). 5-أخرجه البخاري (636) واللفظ له، ومسلم (602) عن أبي هريرة رضي الله عنه. 6-أخرجه عبد بن حميد في مسنده (ص112)، والطبراني في الكبير (5/117-118)، قال الهيثمي: وفيه الضحاك بن نبراس وهو ضعيف . مجمع الزوائد (2/32). 7-المغني (3/168). 8-المجموع (4/542). 9-البخاري (908) عن أبي هريرة رضي الله عنه. غير السعي المنهي عنه في الحديث، والحجة فيه أن السعي في الآية فسر بالمضي، والسعي في الحديث فسر بالعَدْو، لمقابلته بالمشي، حيث قال: لا تأتوها تسعون وائتوها تمشون"(1)
. قال ابن قدامة في المغني: "وروينا عن بعض الصحابة أنه مشى إلى الجمعة حافياً، فقيل له في ذلك، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله، حرمها الله على النار(2)
" (3)
. فائدة: قال علماء التفسير: في التعبير بقوله: فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ... لطيفة، وهي أنه ينبغي للمؤمن أن يقوم إلى صلاة الجمعة بجد ونشاط وعزيمة وهمة. قال الحسن: "والله ما هو سعي الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع". وقال قتادة: "السعي أن تسعى بقلبك وعملك"(4)
. عدم تخطي الرقاب: وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة: اجلس فقد آذيت وآنيت(5)
. واختلف العلماء في حكم التخطي على أقوال: الأول: الكراهة، إلا أن يكون قدامهم فرجة لا يصلها إلا بالتخطي، فلا يكره حينئذ. وهو مذهب الشافعية(6)
ورواية عن أحمد(7)
، وبه قال الأوزاعي وآخرون. قال أحمد: "يدخل الرجل ما استطاع، ولا يدع بين يديه موضعاً فارغاً، فإن جهل فترك بين يديه خالياً، فليتخطَّ الذي يأتي بعده، ويتجاوز إلى الموضع الخالي، فإنه لا حرمة لمن ترك بين يديه خالياً، وقعد في غيره". وقال الأوزاعي: "يتخطاهم إلى السعة"، وقال قتادة: "يتخطاهم إلى مصلاه". وقال الحسن: "تخطوا رقاب الذين يجلسون على أبواب المساجد، فإنه لا حرمة لهم"(8)
. الثاني: الكراهة مطلقاً. حكاه ابن المنذر عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعيد بن المسيب وعطاء. 
 
1-الفتح (2/454). 2-البخاري (907)، (2811). 3-المغني (3/169). 4-أحكام القرآن للقرطبي (18/67، 68)، والفخر الرازي (8/207)، والبحر المحيط (8/268). 5-أخرجه أبو داود (1118)، والنسائي (1399) عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه، وأخرجه ابن ماجه عن جابر رضي الله عنه (1115) وصححه الألباني في صحيح الجامع (155). 6-المجموع (4/546). 7-المغني (3/230، 231). 8-المغني (3/231). وروي عن أحمد :" إن كان يتخطى الواحد والاثنين فلا بأس، لأنه يسير فعفى عنه، وإن كثر كرهناه"(1)
. وحمل ابن قدامة هذه الرواية في حق من لم يفرطوا، وإنما جلسوا في أماكنهم لامتلاء ما بين أيديهم، لكن فيه سعة يمكن الجلوس فيه لازدحامهم (2)
قال ابن عثيمين: "ولكن الذي أرى أنه لا يتخطى حتى ولو إلى فرجة، لأن العلة وهي الأذية موجودة، وكونهم لا يتقدمون إليها قد يكون هناك سبب من الأسباب، مثل أن تكون الفرجة في أول الأمر ليست واسعة، ثم مع التزحزح اتسعت، فحينئذ لا يكون منهم تفريط، فالأولى الأخذ بالعموم وهو أن لا يتخطى إلى فرجة"(3)
. الثالث: الكراهة إذا جلس الإمام على المنبر، ولا بأس قبله، وهو قول مالك. الرابع: التحريم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية(4)
. واختاره ابن المنذر وقال: "لأن الأذى يحرم قليله، يحرم كثيره، وهذا أذى كما جاء في الحديث الصحيح..."(5)
. وقال ابن عثيمين: "والصحيح أن تخطي الرقاب حرام في الخطبة وغيرها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: اجلس فقد آذيت"(6)
. وأما الإمام فلا يكره له التخطي إذا لم يجد طريقاً، لأنه موضع حاجة(7)
.فإن كان يمكن الوصول إلى مكانه بلا تخط، فإنه كغيره في التخطي، لأن العلة واحدة(8)
. ويلحق بالإمام في انتفاء الكراهة في التخطي؛ من عرضت له حاجة فخرج لها ثم رجع، لأنه قاصد للوصول لحقه، وإنما الحرج على من تأخر عن المجيء ثم جاء فتخطى(9)
. وكذا إذا لم يمكن الصلاة إلا بالدخول وتخطيهم جاز، لأنه موضع حاجة(10)
 
1-المغني (3/231). 2-المغني (3/231). 3-الشرح الممتع (5/126، 127). 4-الاختيارات (ص81). 5-المجموع (4/547). 6-الشرح الممتع (5/25). 7-المغني (3/231). 8-الشرح الممتع (5/125). 9-الفتح (2/430). وانظر أيضًا: المغني (3/232). 10-المغني (3/231، 232).