أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
الهدي النبوي في الخطبة

 

الهدي النبوي في الخطبة
 
 
 
هديه صلى الله عليه وسلم في استقبال المصلين على المنبر:
 
من هديه عليه الصلاة والسلام سلامه على الناس حين وقوفه على المنبر: فقد جاء في حديث بن عمر الذي يأتي بتمامه أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا صعد المنبر قال: السلام عليكم، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك .
. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم
 
، وثبت هذا عن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى ـ أنه كان إذا استوى على المنبر سلم على الناس، وردوا عليه.
 
. وكان صلى الله عليه وسلم يقبل على الناس بوجهه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يوم الجمعة، سلم على من عند منبره من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم).
 
 وعن عطاء والشعبي رحمهما الله تعالى قالا: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر، أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: السلام عليكم".
 
 
 
 وكان صلى الله عليه وسلم يتوكأ على عصاً أو قوس:
فعن الحكم بن حزن الكلفي قال: وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله، زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا أو أمر لنا بشيء من التمر – والشأن إذ ذاك دون – فأقمنا بها أياماً، شهدنا فيه الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام متوكئاً على عصاً أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: أيها الناس، إنكم لن تطيقوا – أو لن تفعلوا – كل ما أمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا( 22)
 
. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك، ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف"(23 )
 
. من أحواله صلى الله عليه وسلم في الخطبة: وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ودليل ذلك: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم..) حديث بطوله( 24)
 
. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمراً عظيماً، وتحذيره خطباً جسيماً"( 25)
. (الجزل): خلاف الركيك( 26)
 
 
 
 
. وكان صلى الله عليه وسلم يقطع الخطبة لحاجة: ومن تلك الحاجات، التي عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع الخطبة من أجلها: تنبيهه صلى الله عليه وسلم على ضرورة صلاة ركعتين ـ تحية المسجد ـ فعن جابر رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، إذ جاء رجل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركعها
 
. والسنة في هاتين الركعتين تخفيفها، فعن جابر مرفوعاً: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين وليتجوز فيهما(30 
 
. ومن تلك الحاجات: تعليم العلم لرجل غريب مسافر، يفوته التفقه في الدين، لو اقتصر على سماع خطبة الجمعة ثم انصرف. فعن حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، قال فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته، حتى انتهى إلي، فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديداً، قال: فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها( 31)
، قال الأبي رحمه الله تعالى: "فيه أن مثل هذا من التعليم والأمر بالمعروف في الخطبة، ليس من اللغو ولا يقطعها"(32 )
 
جلوسه صلى الله عليه وسلم بين الخطبتين:
 
وكان صلى الله عليه وسلم يجلس بين الخطبتين، ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما)( 33)
. ولا يتكلم صلى الله عليه وسلم في هذا الجلوس، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، ثم يقعد قعدة لا 
 
، واستدل به الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ على (وجوب) الجلوس بين الخطبتين، لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك، وأكثر العلماء على (عدم وجوبه)( 35)
. وقدر هذا الجلوس: حدده العلماء بقدر جلسة الاستراحة، وبقدر ما يقرأ سورة الإخلاص. وقال ابن حجر: "زمن القعود بين الخطبتين لا يطول"( 36)
، وحكمته: قيل للفصل بين الخطبتين، وقيل: للراحة، ورجح ابن حجر الأمر الأول، والله أعلم( 37)
 
هدي النبي صلى الله عليه وسلم القولي في خطبة الجمعة:
 
كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتاحه خطبه بالحمد، والتشهد والصلاة والسلام، وقول: أما بعد. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "ولم يكن يخطب خطبة صلى الله عليه وسلم إلا افتتحها بحمد الله تعالى، ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العلم"(38 )
 
. ودليل ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يقرأ آيات ثلاث، وهي: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً
 
. فهذا الحديث فيه حمد الله، وفيه الصلاة والسلام على رسول الله، وفيه الشهادتان، وفي رواية للحديث ذكر فيها لفظة (أما بعد)
 
، قال صديق حسن خان: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يلازمها ـ يعني لفظة أما بعد ـ في جميع خطبه، وذلك بعد الحمد والثناء والتشهد"(41 )
 
. ومما يؤكد ذكر الشهادة في خطبة الجمعة، وأنها آكد، ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء( 42)
، والجذماء: المقطوعة( 43)
 
 
 
 
وكان صلى الله عليه وسلم يقصر الخطبة ويطيل الصلاة:
 
أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وتفجرت من بين شفتيه الشريفتين صلى الله عليه وسلم ينابيع الحكم، فكان إذا خطب تكلم بكلمات لو عدهن العاد، لأحصاهن. لأن القصد من الخطبة هو التذكير والوعظ، من غير إثقال ولا إملال. ولذلك كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بتقصير الخطب، وعلى رأسهن خطبة الجمعة، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن قصر الخطبة، مما يدل على فقه عند الرجل، قال صلى الله عليه وسلم: إن طول صلاة الرجل، و قصر خطبته، مَئِنة من فقهه( 44)
، والمئنة هي: العلامة(45 )
. ولذا أمر في حديث بتقصير الخطبة، فقال صلى الله عليه وسلم: فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة
. وعن عمار بن ياسر قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقصار الخطب)
. وهكذا كان التوجيه منه صلى الله عليه وسلم هو هديه الذي سلكه وسار عليه، وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات)
. وإن كان يطيل صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة أحياناً، لكن أغلب أحواله هو التقصير، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وكان بقصر في خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة"
 
. ولو قيل: ما الضابط في طول صلاة الجمعة؟
 
الجواب: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ يوم الجمعة بسبح والغاشية، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: (كان رسول الله يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية). وصح عنه أنه قرأ في الركعتين بالجمعة والمنافقون، فقد أم أبو هريرة الناس بالمدينة يوم الجمعة لما استخلف عليها، فقرأ بالجمعة والمنافقون، ثم قال بعدما انصرف: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما)( 50)
. إشارته صلى الله عليه وسلم بالسبابة ورفعه يديه حين الاستسقاء: وكان صلى الله عليه وسلم يشير بأصبع السبابة: 
 
 
 
. وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة بين أصبعه السبابة والوسطى، ففي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في وصف خطبة رسول الله وفيه: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى
 
. وكان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه على المنبر حين الاستسقاء: ودليل ذلك حديث أنس بن مالك: (أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة، من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعة(55 )
، وما بيننا وبين سَلَع(56 )
من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً . قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائماً، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس)(57 )
. (الترس): بالضم من السلاح ما يتقى به ضرب السيوف، وطعن الرماح(58 )
. (سبتاً): أي أسبوعاً، من السبت إلى السبت(59 )
. (والآكام): هي الروابي. و(الظراب): الجبال الصغار(60 )
 
. والآخر قال فيه:(..فأشار بظهر كفيه إلى السماء)(62 )
. وكان الناس يرفعون أيديهم مع رفعه صلى الله عليه وسلم، ففي إحدى روايات أنس: (فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون... الحديث)(63 )