أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
غزوة بني قريظة
التصنيف الموضوعي :سيرة وتاريخ

 

غزوة بني قريظة


الخطبة الأولى:
 
الحمد لله الملك القهار القوي العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والمجد والاقتدار، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار وسلم تسليمًا..
 
أما بعد:  فاتقوا الله عباد الله.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].
 
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
 
أيها المؤمنون: حين هزم الله الأحزاب وكفى الله المؤمنين القتال انصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة فلم يكن إلا أن وضع سلاحه فجاءه جبريل فقال: "أوضعت السلاح؟! والله إن الملائكة لم تضع أسلحتها، فانهض بمن معك إلى بني قريظة فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم وأقذف في قلوبهم الرعب".
 
فصار جبريل بموكبه من الملائكة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار وقال لأصحابه يومئذ: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" فبادروا إلى امتثال أمره ونهضوا من فورهم فأدركتهم العصر في الطريق فقال بعضهم: "لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا"
 
فصلوها بعد عشاء الآخرة، وقال بعضهم: "لم يرد منا ذلك وإنما أراد سرعة الخروج" فصلوها في الطريق فلم يعنف واحدة من الطائفتين.
 
وأعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الراية علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم -رضي الله عنه- ونازل حصون بني قريظة وحاصرهم خمس وعشرين ليلة، ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال؛ إما أن يسلموا ويدخلوا مع محمد في دينه، وإما أن يقتلوا ذراريهم ويخرجوا إليه بالسيوف مصلتة يناجزونه حتى يظفروا به أو يُقتَلُوا عن آخرهم، وإما أن يهجموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ويكبسوهم يوم السبت؛ لأنهم قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهن فبعثوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره.
 
فلما رأوه، قاموا في وجهه يبكون، وقالوا: يا أبا لبابة! كيف ترى لنا أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه يقول: إنه الذبح، ثم علم من فوره أنه قد خان الله ورسوله، فمضى على وجهه، ولم يرجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتى المسجد مسجد المدينة، فربط نفسه بسارية المسجد، وحلف ألا يحله إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدًا.
 
فلما بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك، قال: "دعوه حتى يتوب الله عليه" ثم تاب الله عليه، وحله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده، ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقامت إليه الأوس، فقالوا: "يا رسول الله! قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال: فذاك إلى سعد بن معاذ.
 
قالوا: قد رضينا، فأرسل إلى سعد بن معاذ، وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به، فأركب حمارًا وجاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعلوا يقولون له وهم كنَفَتاه: يا سعد أجمل إلى مواليك، فأحسن فيهم، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد حكَّمك فيهم لتحسن فيهم، وهو ساكتٌ لا يرجع إليهم شيئًا، فلما أكثروا عليه، قال: "لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم".
 
فلما سمعوا ذلك منه، رجع بعضهم إلى المدينة، فنعى إليهم القوم، فلما انتهى سعد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال للصحابة: "قوموا إلى سيدكم"، فلما أنزلوه قالوا: يا سعد! إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك، قال: وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا: نعم. قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم. قال: على من هاهنا وأعرض بوجهه، وأشار إلى ناحية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إجلالاً له وتعظيمًا؟ قال: نعم، وعليَّ. قال: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرجال، وتُسبى الذرية، وتقسم الأموال، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات". وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول.
 
وهرب عمرو بن سعد، فانطلق فلم يُعلَم أين ذهب، وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد، فلما حكم فيهم بذلك، أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم، ومن لم ينبت، ألحق بالذرية، فحفر لهم خنادق في سوق المدينة، وضُربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، ولم يقتل من النساء أحد سوى امرأة واحدة كانت طرحت على رأس سويد بن الصامت رحى، فقتلته، وجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالاً أرسالاً، فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعب! ما تراه يصنع بنا؟ فقال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ أما ترون الداعي لا ينزع –أي المنادي لا يكفّ-، والذاهب منكم لا يرجع، هو والله القتل.
 
قال مالك في رواية ابن القاسم: قال عبد الله بن أبي لسعد بن معاذ في أمرهم: إنهم أحد جناحي، وهم ثلاثمائة دارع، وستمائة حاسر، فقال: قد آنَ لسعدٍ ألا تأخذه في الله لومة لائم، ولما جيء بحيي بن أخطب إلى بين يديه، ووقع بصره عليه، قال: أما والله ما لمت نفسي في معاداتك، ولكن من يغالب الله يغلب، ثم قال: يا أيها الناس، لا بأس قَدَر الله وملحمة كُتبت على بني إسرائيل، ثم حبس، فضُربت عنقه.
 
وهكذا تم استئصال الخونة الذين كانوا قد نقضوا الميثاق المؤكد وعاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة كانوا يمرون بها واستشهد يوم الخندق ويوم قريظة نحو عشرة من المسلمين وفي طرد الأحزاب ودحر بني قريظة نزلت الآيات (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) [الأحزاب: 25- 27].
 
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بسنة سيد المرسلين أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 
الخطبة الثانية:
 
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله على نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين.
 
وبعد.. فلقد أظهرت غزوة بنو قريظة أدب الخلاف عند الصحابة -رضي الله عنهم- فقد اختلفوا في فهم كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، فبعضهم فهم أن المراد منها الاستعجال صلى العصر حين دخل وقتها وبعضهم اخذ بظاهر كلامه -صلى الله عليه وسلم- فلم يصلِّ إلا في بني قريظة ولم يعنِّف النبي -صلى الله عليه وسلم- أحدا منهم ولم يخطئ أحد منهم الآخر ولا أساء إليه.
 
وقد استنبَط علماء الحديث والسيرة من قصة بني قريظة جواز قتال من نقض العهد، فالصلح والمعاهدة والاستئمان بين المسلمين وغيرهم كل ذلك ينبغي احترامه على المسلمين ما لم ينقض الآخرون العهد أو الصلح أو الأمان.
 
وحينئذ يجوز للمسلمين قتالهم إن رأوا المصلحة في ذلك، ومن خلال هذه الغزوة يظهر لنا تأكد اليهودي من نبوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحقدهم عليه فاليهود كانوا على يقين بنبوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلى إطلاع تام بما أثبتته التوراة من الحديث عنه وعن علاماته وبعثته، ولكنهم كانوا عبيدًا لعصبيتهم وحقدهم وتكبرهم.
 
وفي هذه الغزوة ظهرت فضائل كثيرة لسعد بن معاذ -رضي الله عنه- فقد أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالقيام له وذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم- للأنصار عندما جاء سعد للحكم في بنو قريظة "قوموا إلى سيدكم"، وأعطاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- الحكم على بني قريظة وجعل موقفه وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موقفه موقف الموافق والمؤيد لكل ما يحكم به، بل قال عن حكمه: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات".
 
وبالقضاء على بني قريظة خلت المدينة تمامًا من الوجود اليهود الذي كان عنصرًا خطرًا لديه القدرة على المؤامرة والكيد والمكر، وانتهى حلم قريش بوجود حليف لها داخل المدينة لقد كانت حماية الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية من المفسدين والمتآمرين منهجًا نبويًّا وضعه لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان نتيجة مهمة من نتائج هذه الغزوة المباركة.
 
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد..