أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
من أحكام الوصية
التصنيف الموضوعي :فقه

من أحكام الوصية


الخطبة الأولى:
 
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].
 
عبادَ الله: يقول الله -جلّ جلاله-: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصيّة لِلْوالِدَيْنِ والأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى المتقين ، فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقال صلى الله عليه وسلمَ: "ما حقُّ امرِئ مسلم عندَه شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيّته مكتوبةٌ عندَه" [رواه البخاري]، قال ابن عمر -رضي الله عنهَ-: "ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- يقول ذلك إلا وعندي وصيتي"، قال ابن قدامة في المغني: "وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية".
 
الوصية لغة: العهد، وتأتي بمعنى: الفرض، ومنه قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ) [النساء: 11] أي يفرض لكم.
 
والوصية شرعا: ما يوصي به المرء أهله وذويه عند نزول الموت أو قرب نزوله، فيما يتصرفون مما تركه لهم من مال ومتاع لإيفاء دين أو سد مغرم ودفع صدقة وعمل خير.
 
وتتضمن الوصية جميع الحقوق التي له والتي عليه، وما تثبت به، فيذكر الموصي المال ومتعلقاته من صكوك وعقود وأسناد، وأماكن وجودها وثبوتها، ونحو ذلك، وخصوصا في مثل هذه الأيام، وقد كثر المال، وتنوعت الحقوق والشراكات، وزادت الخلافات، وكثرت المنازعات، وقلت الأمانة.
 
إخوة الإيمان: قسم الله -تعالى- الميراث وأعطى كل ذي حق حقه، فتحرم الوصية لوارث، لقوله صلى الله عليه وسلمَ: "لا وصية لوارث"، وفي رواية: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث"، فلا يحابى ذكر على أنثى، ولا صغير على كبير، ولا معتوه على عاقل.
 
وتجب الوصية لمن له حقوق، وعليه حقوق، فيثبتها ويثبت حقوقها، كرد الودائع والأمانات وخصوصا التي تتعلّق بها الذمم من حقوق الله أو حقوق الناس من زكوات وكفارات وصيام وحج ونحوها.
 
وتستحب الوصية بجزء من المال لمن ترك مالا كثيرا وغلب على ظنه وفرة مال ورثته وغناهم؛ لقوله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) [البقرة: 180].
 
ومن كان ماله قليل وورثته كثير فإن عدم الوصية في حقه أولى ما لم يكن عليه حقوق أوله حقوق في ذمم الناس فيثبتها؛ لأنّ انتفاعَ ورثته بماله وإيصال الخير إليهم أولى مِن غيرهم، ولقوله صلى الله عليه وسلمَ: "إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس".
 
وأما مقدار الوصية من التركة؛ ففضل بعضهم التصدق بالخمس، وهو اختيار أبي بكر -رضي الله عنهَ-، وقال بعضهم: الربع، وقال بعضهم: الثلث، إلا أنها لا يتجاوز الثلث، فأكثر من الثلث حرام لا تصح.
 
فيوصي ببناء المساجد، ودور الأيتام، وحفر الآبار، ونشر العلم، وصرفها في أبواب الخير، لقوله صلى الله عليه وسلمَ: "إنّ الله تصدّق عليكم عندَ موتكم بثلثِ أموالكم زيادةً في حسناتكم" [حسنه الألباني]، ولما أتى النبيُّ -صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ- سعداً -رضي َالله عنه- يعودُه في مرضه، سأل النبيَ -صلى الله عليه وسلمَ-: يا رسولَ اللهِ! إن لي بنتا واحدة، ولدي مال كثير، أُفأوصي بمالي كلِّه؟ قال: "لا" قال: فالشطرُ؟ قال: "لا"، قال: فالثلثُ؟ قال: "الثلثُ والثلثُ كثيرٌ، إنك أن تدعَ ورثتَك أغنياءَ، خيرٌ من أن تدَعَهم عالةُ يتكفَّفون الناسَ يتكفَّفون في أيدِيهم".
 
وعلى الموصي أن يختار المسلم الأمين الرشيد العدل من ولده في تنفيذ وصيته إن وجد وإلا فالإخوان أو الأرحام، وإذا تعدّد الأولادُ ورأى أنّ الكفاءةَ فيهم جميعا جمعهم وبيّن لهم ما لهم وما عليهم، ونصحهم ووعظهم، حتّى يكونوا على بصيرة وأبعد عن الشقاق والاختلاف، ولو كانت أمّهاتُهم متفرّقة، وكلّهم ذو عدالةٍ ورشد حاوَل أن يشركَ بعضَهم، أو أن يشركَهم جميعًا في الوصيّة حتى تطمئنّ النفوس، ويفضل والأولى أن يعلم الموصَى إليه أو الوكيل بالوصية قبل الموت، ويأخذ إذنه ورأيه ويناقشه في أمورها، لتكون واضحة بنودها بينة أمورها، وإن لم يتعيّن الموصَى إليه أو الوكيل من قبل الموصي ووكل إليه الأمر من الحاكم كمن مات فجأة، فليتق الله فيما وُكل إليه، وليتذكر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: 27]، وقد منع بعض أهل العلم عزْل الموصَى إليه نفسَه، إذا كان في عزله ضررا على الوصية وتضييعا للأمانة وإبطالاً للحق، ولم يوجد الأهل الكفؤ وتعذر ذلك.
 
إخوة الإيمان: الأفضل للعبد لو ينفِّذ أعمال الخير الذي يريدها في وصيته أثناء حياتِه أولى من أن يجعلها بعد مماته ، يقول صلى الله عليه وسلمَ: "أفضلُ الصدقة أن تتصدّقَ وأنت شحيحٌ صحيح، تأمَل الغنى، وتخشى الفقرَ، ولا تهمِل حتّى إذا بلغتِ الروح الحلقومَ قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا"، وقال صلى الله عليه وسلمَ: "ليس لك من مالك إلاّ ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبِست فأبليتَ، أو تصدّقتَ فأبقيتَ، وما سِوى ذلك فتاركُه للورثةِ".
 
إخوة الإيمان: في الحديث: "إنّ العبدَ ليعمل بمعصية الله سبعين سنة، يحضره الموت، فيعدِل في وصيّته، فيختم له بخير، فيدخل الجنّة ، وإنّ العبدَ ليعمل بطاعةِ الله سبعين سنة، فيحضره الموت، فيجور في وصيّته، فتجب له النّار" فمن منع بعض الورثه من الميراث أو أعطاهم أقلّ من حقّهم أو زاد آخرين أكثر من حقّهم أو أدخل من ليس بوارث في الميراث أو منع بشروط وضعها بهواه كمن يقدم أبناء الأبناء ويمنع أبناء البنات، فهو عاصٍ آثم، مرتكب لكبيرة من الكبائر، فالله (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19]، فلا يجوز للموصِي أن يحابيَ في وصيّته، ولا أن يُضارَّ بها: (وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة: 220]، فالواجب عليه أن يجعلَها وصيّةً واضحة بيّنة يفهمها كلّ من قرأها أو سمِعها، حتى يرتاحَ في قبره، وحتّى لا تختلف ذريّته من بعده؛ عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له، فوهبها لي، فقالت: لا أرض حتى تُشهد النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبيَ -صلى الله عليه وسلمَ- فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: ألك ولد سواه؟ قال: نعم، قال: فأراه قال: "لا تشهدني على جور"، وفي رواية: "لا أشهد على جور".
 
أخي في الله: كلّما اتّقيتَ الله في وصيّتك واتبعت شرع الله فيها فإنّها ستكون نافعة مباركة طيبة، وكلّما خالفتَ شرعَ الله فيها فإنّها وصيّة ضارّةٌ آثمة.
 
إخوة الإيمان: من مات ولم يوص وانفلتت نفسه وانتهت حياته فجأة، فمن الوفاء والإحسان: الصدقة عنه من ماله، ولكن بعد رضاء جميع الورثة؛ فعن عائشة -رَضي الله عنها-: أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلمَ-: إن أمي افتلتت نفسها، وإنها لو تكلمت تصدقت أفأتصدق عنها يا رسول الله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: "نعم فتصدق عنها"، وعن أبي هريرة -رَضي الله عنه- أن رجلاً قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: إن أبي مات ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال عليه الصلاة والسلام: "نعم".
 
أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

 
الخطبة الثانية:
 
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].
 
الابن الذي يتوفى أو البنت قبل مورثها ويكون له أو لها ذرية، ولمورثهما مال وله ورثة غيرهم يستحوذون جميع المال، فأدعو من هذا المنبر الكريم: أن لا ينسون ذرية المتوفين من التركة ذرية أخيهم أو أختهم بالوصية والخير فهم غالبا أولى وأحوج لغياب العائل.
 
أخي في الله: إذا طُلب منك الشهادةُ على وصيّة، فاتّق الله، وانصَح، واشهَد بما تراه حقًّا مناسبًا، ولا تشهَد بما تراه ظلمًا وجورًا، فالله يقول: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا) [النساء: 9]، فأصلِح الوصيّة، وأرشِد الموصي، وخوِّفه من الله، وذكره أن الأمر بيد الله، وأن الغنى والفقر أولا وآخرا من الله، وأن المال مال الله: (إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا) [النساء: 135]، فتخصيص بعض الورثة حرام، وتخصيص غير العدل بوجود العدل بالوصاية حرام، حاول الإصلاح ونشر الخير، ودفع الشر ما استطعت.
 
فلنتّقِ الله في أمورِنا، ولنتّق الله في الحقوقِ التي في ذمَمِنا، ولنبرّئ أنفسنا قبل لقاءِ الله، وأسأل الله لي ولكم التوفيقَ والهداية والعونَ على كلّ خير، وأن يختمَ لي ولكم بخاتمةِ خير.