أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
مخرج الأمة من الفتن
التصنيف الموضوعي :منهج أهل السنة

 

مخرج الأمة من الفتن


الخطبة الأولى:
 
إخوة الإيمان: مع كل يوم جديد يُفيق المسلمون على أخبار القتل والدم والتشريد والتهجير، الموتى بمئات الألوف، المهجرين والمشردين بالملايين، حتى ضاقت بهم الأرض، ولفظتهم البحار غرقى هاربين، صور دامية، وأحداث مؤلمة، تتصدع منها الجبال الصمّ الصلاب؛ الدمار والهلاك في كل مكان، المباني مهدّمة، والمساجد مدمرة، والشوارع خالية، الرعب والخوف، الفقر، الجوع، العطش، الأوبئة، الفساد، الدم، الزلازل، الفتن، المحن، أصبحت شعارات لبلاد المسلمين، سوريا، اليمن، العراق، فلسطين، ليبيا والصومال، بورما..، بل في معظم بلاد العالم إلا والمسلمون مضطهدون مدانون، المسجد الأقصى ثالث أشرف مسجد على وجه الأرض تحت براثن يهود، تكالبت جحافلُ الكفرِ وأعداءُ الدين من يهود ونصارى وشيوعيين ورافضة وخوارج وبوذيين كالوباء المستعصي، تحالفوا لدمار ديار الإسلام والمسلمين، أتوا بعُدَدِهم وعتادهم، بجيشهم ودمارهم، وما ذكرت قليل من كثير، أمورٌ تذهل العقلاء، وتَصُمُّ الفصحاء، ولكنّنا لا نقول سوى ما يرضي ربنا، فالحمد لله على كل حال، وإنا لله وإنا إليه راجعون، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 
إخوة الإيمان: الإسلام قويٌ عزيز، يستحيل أن يخذُل قومَه وأهلَه، منصور بنصر الله -عز وجل-، الإسلام بريء من الذي يحدث في قومه وعلى أرضهم، وما ذنبه إن هم أبعدوه وتركوه وهجروه، بل وحاربوه، لم يتركوه ليدافع عنهم ليحميهم، لم يدعوه ليقيم العدل والسلام، ويثبِّت العز والتمكين لهم، لم يتركوه ليرتفع بهم كما ارتفع بأسلافهم، رفرف وملأ مشارق الأرض ومغاربها عدلاً وأمناً وإيماناً، بعد ما ملئت جوراً وطغياناً، وظلماً وعدواناً.
 
إخوة الإيمان: ماذا دهى أهل الإسلام، ما الذي يحدث بديار المسلمين، ما الذي بلغ بالمسلمين هذه المواصيل؟ أين عقول أهل الإسلام؟ هل الحلول بيد أعدائهم؟! جحافلُ الكفر وأعداء الدين يدرسون الحلول ويفرضونها على المسلمين، ومن هم؟ هم اللص والقاتل والقاضي والجلاد والسجّان! ولا حول ولا قوّ إلا بالله! أين عقول أهل الإسلام؟! نسمع الحلول تترى من كل مكان، وتزداد اللقاءات والاجتماعات من رؤساء ومفكرين ومصلحين، مسلمين وكفار، أصدقاء وأعداء، لتخرج الصيحات بالإغاثات ولكن لا مغيث، وتكثر الاستنكارات، وتتجدد المواجع والآلام، ولم تزدد الأحوال إلا سوءا إلى سوء، وشرّاً إلى شر، دماراً إلى دمار، نسأل الله السلامة، ما سبب ذلك؟ ما تفسيره؟! ألم يخبرنا الله -عز وجل- عن مكامن الخطر؟ ألم يرشدنا تعالى لطريق النجاة إذا وقعت الأمة في الفتن؟ بلى والله.
 
عباد الله: بل وأخبر عنه مفصلاً واضحاً بيّنا، فلندر ظهورنا لأعدائنا، ونرجع لمولانا وناصرنا الله -جَل جلاله-، لنصلح ما بيننا وبين الله تصلح أحوالنا، ويعود عزّنا وتجتمع كلمتنا ويتوحّد صفنا، فما رمى الأمة في هذه المهالك إلا بعدها حقيقة عن الله -جَل جلاله-، تركهم الله -تعالى- لما تركوا شرعه واجترؤوا على محارمه، أَكثَروا من الذنوب والمعاصي فهانوا على الله فوكلهم إلى أنفسهم، لذا الدماء والجراح تتجدد وتزداد وتنتشر في كل قطر، وعلى كل أرض وفي كل واد.
 
عباد الله: إنها الذنوب والمعاصي والآثام، أعظم أسباب ما يعيشه العالم الإسلامي، فإن لم نعد إلى ديننا، ونتب إلى ربنا أفراداً وشعوباً ومجتمعات، ستبقى الحال في استياء إلا أن يتداركنا الله بفضله حتى نرجع إلى الله.
 
عباد الله: قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41]، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [النحل: 112]، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلمَ- فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا في أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ" [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَة وَحسنهُ الأَلبَانيُّ]، هذا الحديث العظيم الجامع يتضمن خصالاً خمس، إذا وقعت أتاها العذاب من الله -سبحانه وتعالى- معجلاً في الدنيا، وما ينتظر أهلها في الآخرة من الوعيد أشد وأنكى.
 
إخوة الإيمان: لنطبق الحديث على الواقع الأليم في ديار المسلمين، ألم يتفشى الزنا والربا والخمور، وذهب العدل، وطُفّف الميزان، وخان القضاةُ، وظهر جوْر السلطان، ومُنعت الزكاة، ويبست الأرض، وغار الماء، وانتشر الجوع والفقر والجهل، وتسلط الأعداء، وكثرت الزلازل والخسف والفيضانات؟ إنها نتيجة انتشار الذنوب والمعاصي والآثام، أخبر عن ذلك الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلمَ- قبل ألف عام، فما في الأمة من مُصاب عظيم هو كسب أيديهم، إنها الذنوب والمعاصي والآثام، تورث غضب الرب -عز وجل-، هان الناسُ على الله فأهانهم، نسوا الله فنسيهم وأنساهم أنفسهم، لتعلموا أن هذه الفتن من سنن الله الكونية، وجبروته ماض لا مردّ له، ولكم فيما أخبر الله -تعالى- عن الأمم السابقة أكبر دليل، قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) [الأنعام: 6]، قال ابن كثير: "فذهب الأولون كأمس الذاهب، وأنشأنا من بعدهم جيلا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فهلكوا كهلاكهم، فاحذروا -أيها المخاطبون- أن يصيبكم ما أصابهم".
 
فاتقوا الله -أيها المسلمون-، اتقوا الله -تعالى-، واحذروا الذنوب والآثام، فإنها ما ظهرت في ديار إلا أهلكتها، ولا تمكنت من قلوب إلا أعمتها، ولا فشت في أمة إلا أذلتها، إنها الذنوب والمعاصي، التي أذلت أعناقاً طالما ارتفعت، وأخرست ألسناً طالما نطقت، وأصمّت آذاناً طالما استمعت، وفرقت أسراً بل وجموعاً طالما اجتمعت؛ روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه قال: "لما فتحت قبرص فُرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى".
 

الخطبة الثانية:
 
واعلموا -عباد الله- أن نجاة الأمة من هذه الفتن بيد الله وحده -جلّ جلاله-، يستحيل أن يكون بأيدي أعدائها، قال تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) [البقرة: 217]، فالفعل: "يَزَالُونَ" يدل على إصرار ودوام العداء لكم في كل مكان وفي كل زمان، والتاريخ أكبر دليل وشاهد، قال صاحب "أضواء البيان": "لم يبين تعالى هنا هل استطاعوا ذلك أو لا؟ ولكنه بيّن في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) [المائدة: 3]، وبين في مواضع آخر: أنه تعالى مظهرٌ دين الإسلام على كل دين؛ كقوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 9].
 
نسأل الله -تعالى- أن يرد كيد الكافرين في نحورهم، وأن يبطل بأسهم.
 
فالنجاة النجاة من الفتن -عباد الله- بأيديكم وقريب منكم ليس بأيدي أعدائكم، إنه العودة إلى الله، والرجوع إلى دين الله، إنها محاربة الذنوب والمعاصي والآثام التي في الأفراد والمجتمعات، فتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون أيها المسلمون، استدروا رضا ورحمة ربكم ونصره بفعل الطاعات، وترك المنهيات، لينصركم ويثبت أقدامكم، لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، فهذه الأمة لن تجتمع إلا على دين الحق، ولن تتوحد إلا على كلمة: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ومن يحاول جمعها بغير كلمة التوحيد فإنما يطلب المستحيل، يقول الله -تعالى-: (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: 137]، وهذا الشقاق سيبقى ما بقي الإعراض عن دين الله -عز وجل-، وعن تحكيم شرع الله، أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، أقيموا شرائع الدين كما أمر ربكم -عز وجل-، عظموا كتاب الله، عظموا سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، اعدلوا، أقسطوا إذا حكمتم، أعداؤكم الحقيقيون هي الفواحش: القتل، الزنا، الربا الخمور، المخدرات، الظلم، أعصموا ماءكم، فقتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، ولا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، قال صلى الله عليه وسلمَ: "ما من رجل يكون في قوم يَعمَل فيهم بالمعاصي وهم يقدرون أن يغيروا فلا يغيروا إلا عمهم الله بعقاب"، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً ثم تدعونه فلا يستجاب لكم"، في الحديث قال صلى الله عليه وسلمَ: "أنهلك وفينا الصالحون؟"، قال: "نعم إذا كثر الخبث" -نسأل الله السلامة-، قال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحـج: 40 - 41]، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 55].