أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
فضل بذل الخير للناس
التصنيف الموضوعي :فضائل الأعمال

فضل بذل الخير للناس


الخطبة الأولى:
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
 
إخوة الإيمان: اعلموا أنّ من أعظم ما ينفع العبد في حياته وبعد مماته، بذل المعروف والإحسان إلى للناس، قال -تعالى-: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف:56]، وقال -تعالى-: (وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج:77].
 
ومن نعم الله -تعالى- على العبد أن يجعله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر, عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ، عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: "عِنْدَ اللَّهِ خَزَائِنُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، مَفَاتِيحُهَا الرِّجَالُ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، وَمِغْلاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ، وَمِغْلاقًا لِلْخَيْرِ" حسنه الألباني. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ" رواه الطبراني وضعفه، وقال الألباني: حسن لغيره.
 
قال العلامة السعدي -رحمه الله- في تفسيره: البرّ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة من حقوق الله وحقوق الآدميين.
 
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم- "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ"، وفي رواية للترمذي من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-: "تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ"، وفي رواية للبخاري: "تُعِينُ صانعاً أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ".
 
وفي حديث أبي موسى -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ"، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ"، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ" رواه الشيخان.
 
وفي حديث آخر أن رجلا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْمَعْرُوفِ؟ فَقَالَ: "لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ صِلَةَ الْحَبْلِ، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ شِسْعَ النَّعْلِ، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تُنَحِّيَ الشَّيْءَ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ يُؤْذِيهِمْ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْطَلِقٌ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الْوَحْشَانَ فِي الْأَرْضِ" رواه أحمد.
 
وكلما كان العبد أكثر بذلا للمعروف كان أكثر جنيا لثماره، ومن آثاره استدامة النعم ؛ فـ (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن:60]، فعن ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ لِلَّهِ قَوْمًا يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ" رواه ابن أبي الدنيا، وروى الطبراني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ عَبْدٍ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَأَسْبَغَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَتَبَرَّمَ، فَقَدْ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ للزَّوَالِ".
 
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ لِلنَّاسِ وُجُوهٌ يَرْفَعُونَ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْهِمْ؛ فَأَكْرِمْ وُجُوهَ النَّاسِ، فَبِحَسْبِ الْمُسْلِمِ الضَّعِيفِ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُنْصَفَ فِي الْحُكْمِ وَالْقِسْمَةِ. اهـ.
 
فأقوى ما تحفظ به نعم المال والجاه والقوة شكر المنعم عليها، باصطناع المعروف بها، وبذلها لمن يحتاجها. هذا عدا ما يناله من دعاء من بذل لهم معروفه، وصنع فيهم صنيعه.
 
وصنائع المعروف ترد سوء المقادير بإذن الله، وتعمل على تفريج الكرب، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ" رواه الطبراني، وقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" رواه مسلم.
 
إخوة الإيمان: من أحبّ أن يكون الله -تعالى- في عونه وقضاء حاجاته فليكن هو في عون أخيه وقضاء حاجاته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، قال رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" رواه الشيخان.
 
بذل المعروف يورث محبة الناس ودعاءهم، فالنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ"، وقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -رضي الله عنه-: "مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ سَبَقَ مِنِّي إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ إِلَّا أَضَاءَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ سَبَقَ مِنِّي إِلَيْهِ سُوءٌ إِلَّا أَظْلَمَ مَا بَيْنِي وبينه".
 
فصنائع المعروف تنشر المودة والسرور، وتقرب القلوب، وتزيل شحناء النفوس. جعلنا الله -تعالى- من أهل المعروف، ومنَّ علينا بنفع الناس؛ إنه سميع مجيب.
 
أحسِنْ إلى الناس تستعبد قلوبَهُم *** فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
وكُنْ على الدّهرِ مِعْوَانًا لذي أملٍ *** يرجو نَداكَ فإنّ الحُرَّ مِعْوانُ
واشْدُدْ يديك بحبلِ اللهِ معتصمًا *** فأنّه الرّكنُ إنْ خانتك أركانُ
من كان للخير منّاعًا فليس له *** على الحقيقة إخوانٌ وأخْدانُ
من جاد بالمال مالَ النّاسُ قاطبةً *** إليه والمالُ للإنسان فتّانُ
 
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...
 

الخطبة الثانية:
 
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
 
أما بعد: فاتقوا الله -تعالى- وأطيعوه، (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281].  قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: "وَاللَّهِ لأَنْ أَقْضِيَ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ حَاجَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ".
 
وقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ -رحمه الله-: أَيُّ الدُّنْيَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ".
 
قال وهب بن منبه: "إن أحسن الناس عيشاً من حسن عيش الناس في عيشه، وإن من ألذ اللذة الإفضال على الإخوان"، وكان خالد القسري يقول على المنبر: "أيها الناس، عليكم بالمعروف؛ فإن فاعل المعروف لا يعدم جوازيه، وما ضعف عن أدائه الناس قوي الله على جوازيه".
 
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل- سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله -تعالى- قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل"، والحديث حسنه الألباني،  رحمه الله.
 
وروى الشيخان في الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته". وفي الصحيح، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
 
وصلوا وسلموا على نبيكم...