أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
الذكرى من دروس قصة الأبرص والأقرع والأعمى
التصنيف الموضوعي :التربية

 

الذكرى من دروس قصة الأبرص والأقرع والأعمى


الخطبة الأولى:
 
الحمد لله، الحمد لله الذي جعل في القصص عبرة، وجعلها لمن خلفهم في قصصهم قدوة، وأشهد أن لا إله إلا الله، القائل سبحانه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ) [يوسف: 111]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كم أخبر هذه الأمة من مواقف وقصة للعظة والفكرة، ثم الصلاة والسلام سرمدا على النبي المصطفى كنز الهدى، وآله وصحبه الأبرار، معادن التقوى مع الأسرار.
 
أما بعد:
 
عباد الله: فاتقوا الله حق تقاته.
 
خل الذنوب صغيرها *** وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق *** أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة *** إن الجبال من الحصى
 
أيها المسلمون: في القصص النبوي العلم العملي، والتربية السلوكي في القصص النبوي الفائدة والحكمة والذكرى والموعظة، وما قصص القرآن عنا ببعيد، بل صورة كاملة سميت ب "سورة القصص"، وهي السبب للثبات: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: 120]، وهي الموعظة الزاجرة، والحكمة الباهرة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ) [يوسف: 111]، ومن هذه القصص والأخبار ما جاء وصح عن النبي المختار -صلى الله عليه وسلمَ-.
 
ومن المعلوم والمتفق عليه أنه يجب تصديق النبي -صلى الله عليه وسلمَ فيما أخبر، شريطة ذلك: أن يصح في ذلك الخبر، فأخباره كلها صدقٌ، ولم يخبر عبثًا، بل للفائدة والعبرة، وتهذيب النفوس، وأخذ الدروس.
 
ومن هذه القصص العجيبة والمواقف الغريبة من قصة الثلاثة: "الأبرص، والأقرع، والأعمى"، فقد جاء عن أبي هريرة: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ به، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ فأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا، وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ، أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ، شَكَّ إِسْحَقُ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ به، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ أو الإبل، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، فَأَتَى الْأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ علي بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْغَنَمِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي هذا، فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ به فِي سَفَرِي، قَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، قَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذُرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ المال؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، قَالَ: فإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وهيئته، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا عليه هذا، فَقَالَ له: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: فأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ: قد انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَ اللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بشيء أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ" [أخرجه البخاري ومسلم].
 
هذا حديث عظيم ترجم له البخاري في كتابه: "أحاديث الأنبياء"، وترجم له إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب في كتاب: "التوحيد"، "باب ما جاء في قول الله -تعالى-: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي) [فصلت: 50]"، وقال رحمه الله في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة: ففيها من العبر والعجائب، والدرس الصائب ما ليس هذا وقته، وحسبنا أن نأتي بما يتيسر ويناسب هذه الخطبة والمقام للسامع والطالب؛
فمنها: إن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمة، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أديا حق الله فيها بنعمه، فحل عليهم السخط.
 
وأما الأعمى، فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضا من الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها، وهي: الإقرار بالنعمة، ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يحب.
 
أفادتكم النعماء مني ثلاثة  ***يدي ولساني والضمير المحجبا
 
قال ابن القيم: "أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له، والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلًا بها لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها، فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له، ويحبه ويرضى به وعنه لم يشكرها، ومن عرفها وعرف المنعم وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه، ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها، فلابد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته، والخضوع له.
 
ومن الدروس في هذه القصة:
 
أولًا: أن العبرة بالبركة لا بالكمية والكثرة، ومن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلمَ- لأنس: "اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته".
 
والبركة؛ سرٌ خفي يهبها الله لمن يشاء، فإذا أحلت بالإنسان توافدت إليه الخيرات، وبارك الله له في الأموال والأوقات، ومن دعاء عيسى -عليه السلام-: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ) [مريم: 31]، ولهذا كان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم.
 
ثانيًا: وفيها ذكر المعاريض في الحديث، وهو: التروية، فقول الملك: "رَجُلٌ مِسْكِينٌ" تعريضًا له، وضربًا للأمثال؛ ليستيقظ المخاطب لما كان عليه في السابق، فتذكير الإنسان بحالته الأولى، وما كان عليه من الحاجة والفقر ما يدعوه للتذكر والاعتبار والاستيقاظ والادكار.
 
ثالثًا: ومن درسها ما قاله ابن حجر -رحمه الله- في فتحه: جواز ذكر ما اتفق لمن مضى ليتعظ من سمع، ولا يكون ذلك غيبة فيهم، ولعل هذا السر في ترك تسميتهم، فذكر قصص الغابرة، والمواقف الماضية شريطة أن تكون هادفة لها أثرها وتأثيرها، وصلاحها وإصلاحها، وليس في نقلها عيب على صاحبها، أو غيبة، أو نميمة في نقلها.
 
رابعًا: ومن الدروس -أيها النفوس-: فضل الصدقة، والحث عليها، وللصدقة فوائد وعجائب، ولطائف ورغائب، ولو لم يكن فيها إلا الدعوة المباركة الصباحية لكفى بها ترغيبًا وتزكية، وهي قول الملك كل صباح: "اللهم أعط منفقًا خلفًا"، فتصدق بما تستطيع يوميًا، ولو بريال، أو مأكول، أو مشروب، ولو يسيرًا فاجعل هذا من وردك، وجزء من مالك.
 
يا جامع المال في الدنيا لوارثه *** هل أنت بالمال بعد الموت تنفع
لا تمسك المال واسترضي الإله به *** فإن حسبك منه الري والشبع
 
خامسًا: ومن دروسها: ذم البخل؛ لأنه حمل صاحبه على الكذب، وعلى جحد نعمة الله: (مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ) [محمد: 38].
 
وإني رأيت البخل يزري بأهله *** فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ولا ترج السماحة من بخيل *** فما في النار للظمآن ماء
 
سادسًا: ومن دروسها: الرفق بالضعفاء وإكرامهم، وتبليغهم مما يطلبون مما يمكن، والحذر من كسر قلوبهم واحتقارهم: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: 10]، فإما تعطيه أو تكف شرك عنه.
 
ومنها: إخباره سبحانه لعباده، وامتحانه لهم، وقد قال سبحانه: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: 35]، وقال سبحانه عن سليمان -عليه السلام-: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) [النمل: 40].
 
سابعًا: ومن لطائف هذه القصة: أن من حسن الأدب مع المحتاج في ذكر حالك له، فإن المحتاج إذا ذكرت له أنك كنت فقيرًا محتاجًا، يهون عليه ما هو عليه، ويشكر ربه على حاله، بل يقوى رجائه بربه، ولهذا انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا لمن هو فوقكم؛ لئلا تزدروا نعمة الله عليكم.
 
ثامنًا: ومن فوائدها: مشروعية ذكر قصص الأولين من بني إسرائيل وغيرهم فيما صح عن رسول الله؛ لأجل العظة والاعتبار، والتثبيت والانتصار: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ) [يوسف: 111]، فالقصص الهادفة، والأخبار المشوقة لها أثرها خصوصًا على الناشئة.
 
تاسعًا: ومن الدروس وتهذيب النفوس: أن من شكر الله على نعمة المال إخراج الحقوق الواجبة؛ كالزكاة، والنفقة الواجبة، والصدقة المستحبة؛ كإطعام الجائع، وكسوة العاري، وإشباع الظمآن: (أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) [يس: 47]، فرزق ساقه الله إليك فأد حق الله عليك.
 
قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
 
عاشرًا: ومن دروسها وحسن علومها: أن العبد أمام المصائب له أربع حالات.
 
الحالة الأولى: الجزع والتسخط، وهذا حرام.
 
الحالة الثانية: الصبر وطلب الأجر، وهذا واجب.
 
الحالة الثالثة: الرضا بقضاء الله، وهذا مستحب.
 
الحالة الرابعة: الشكر والثناء، وهو الكمال والجلال والعطاء.
 
واصبر على القدر المحتوم وارض به *** وإن أتاك بما لا تشتهي القدر
فما صفا لامرئ عيش يسر به *** إلا سيتبع يومًا صفوه كدر
 
الحادي عشر: وفيها: الرد والإنكار على من نسب النعم لنفسه، وسعيه، وكده، وتحصيله، وتعبه، ونسي من أعطاه، ورزقه هذا المال وتولى، فالمؤمن يعترف بنعمة الله عليه ظاهرة وباطنة: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان: 20]، فيثني عليه ويشكره، ويحمده ويذكره، وأن هذا من عطائه وفضله، أما من كفر بنعم ربه ونسبها لنفسه، وجحد إحسانه وفضله، كما فعل الأبرص والأقرع في هذه القصة، إذ نسبوا النعم التي أعطاهم الله إياها إلى أنفسهم، وما ورثوه، وعملهم وما حصلوه، وهذا قدح في التوحيد؛ فالنعم تنسب إلى المنعم، والمتفضل المكرم، يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويكفر به، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به".
 
وبوب إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتاب: "التوحيد"، باب قول الله -تعالى-: (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) [النحل: 83]، وما يجري من أسباب ووسائط وأعمال إنما هي أسباب، لكن لا يجوز نسبة حصول النتائج إلا إلى الله، وإنما يشكرون على قدر ما بذلوا، وسعوا فيه وحصلوه؛ فالنعم كلها من الله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: 53].
 
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فإنه المتفضل بجميع النعم، وإن جرت بواسطة إذ هو ميسر الوسائط، ومسبب الأسباب".
 
الثاني عشر: فهذه القصة: توجب أن يعترف المرء بنعمة الله عليه، ويوحد الله في شكرها، فبعض الناس ينسب النعم لنفسه، أو عمله، أو ذكائه، أو فطنته، وهذا يدل على نقص العبد وقصوره، وضعف توحيده وإيمانه، قال ابن القيم -رحمه الله-: "وهذا حال أكثر الناس، لا يعترف بما كان عليه أولًا من نقص، أو جهل، وفقر، وذنوب، وأن الله نقله من ذلك إلى ضد ما كان عليه، وأنعم بذلك عليه".
 
الثالث عشر: ومن دروسها الجميلة: أن الطاعة سبب لرضا الله، والمعصية سبب لسخط الله، ولهذا رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما، فما استجلبت النعم لمثل رضا الله، فالمعاصي سبب لزوالها، وذهابها، وعقوبة لأهلها.
 
إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد *** فرب العباد سريع النقم
 
الرابع عشر: ومن دروسها: أن الله أقدر ملائكته على أن يتصوروا بصور الرجال، وألوان الأشكال والأحوال، وهم خلق عظيم، خلقوا من نور، يجب الإيمان بهم، وبوجودهم، وبوظائفهم، وأسمائهم، وأعمالهم، وأنهم: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]، (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء: 20]، فهم عالم غيبي يأتمرون بأمره، ولهذا جاء إليهم مرة أخرى بصورته، أي مثل جسمه، وهيئته في الشكل واللباس.
 
الخامس عشر: وفيها من العبر وعجائب الصور: بيان قدرة الله -سبحانه-، وأنه لا يعجزه شيء، وذلك بإبراء الأبرص والأقرع والأعمى، فهو على كل شيء قدير.
 
السادس عشر: ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، فقد رضي الله عمن شكره وحمده، وسخط على من أنكره وكفر نعمه، ولهذا في الآخرة يجازى كل إنسان بعمله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم: 31]، وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
 
فهذه ستة عشر درسًا في هذه القصة العظيمة، وفيها غير ذلك، فمن طلب ذلك وجد ذلك هنالك.
 
هذا وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يجعلني وإياكم من أنصار دينه وشرعه.
 
والله أعلم.