أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
أربع مسائل مناسبة للوقت
التصنيف الموضوعي :موضوعات عامة

 

أربع مسائل مناسبة للوقت


الخطبة الأولى:
 
الحَمَدُ للهِ الذَّي فَرَضَ الحجَّ عَلَى عِبَادِهِ إلى بيتِهِ الحَرَامِ، ورتَّبَ على ذلكَ جزيلَ الأجْرِ وَوَافِرَ الإِنْعَامِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ نَقِيّاً مِنَ والآثَامِ.
 
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ مَنْ صَلَّى وَزَكَّى وَحَجَّ وَصَامَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدَّيْنِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْماً كَثِيْراً.
 
أَمَّا بَعدُ: فَأُوْصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- القَائِلِ (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج: 27].
 
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مَعَ اقْتِرَابِ مَوْسِمِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَحْسُنُ بِنَا أَنْ نَقِفَ وَقَفَاتٍ تُنَاسِبُ, عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَ بِهَا قَائِلَهَا وَسَامِعَهَا.
 
اْلَوْقَفْةُ الْأُولَى: “التَّعَجُّلُ لِلْحَجِّ”, يَتَشَوَّقُ عِبادُ اللهِ الصَّالحونَ فِي هَذَا الوَقْتِ مِنْ كُلِّ عَامٍ إِلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ لِأَدِاءِ الحَجِّ، وَتَتَقَطَّعُ قُلُوبُهُم حَسرَةً وَأَلَماً عَلَى فَوَاتِهِ، ثُمَّ فِي الْمُقَابِلِ تَجِدُ مِن أُمَّةِ الإِسلامِ مَن تَمُرُّ عَلَيهِ السُّنُونَ وَتَتَوَالى عَلَيهِ الأَعوَامُ وَلَمْ يَحُجَّ مَعَ قُدْرَتِهِ، وَكَأَنَّ الحَجَّ قَد فُرِضَ عَلَى غَيرِهِ.
 
وَقَد عُلِمَ -أَيُّهَا الْمُسلِمُونَ- مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الحَجَّ رُكنٌ مِن أَركَانِ الإِسلامِ وَمَبَانِيهِ العِظَامِ، دَلَّ على وُجُوبِهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجمَاعُ، فَمَن جَحَدَهُ بَعدَ البَيَانِ كَفَرَ، يُستَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِلَ، وَمَن تهاوَنَ بِهِ فَهُوَ عَلَى خَطرٍ عَظِيمٍ، قال -سُبَحانَهُ-: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العَالمِينَ) [آل عمران: 97].
 
وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَد فَرَضَ عَلَيكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حتى قالها ثَلاثًا، فقال رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لَو قُلتُ: نَعَم، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا استَطَعتُم” (رَوَاهُ مَسْلِم).
 
وَالحَجُّ وَاجِبٌ على الفَورِ عَلَى َالصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ العِلْمِ، فمتى استَطَاعَ المُسلِمُ الحَجَّ وَتَوَفَّرَت فِيهِ شُرُوطُ وُجُوبِهِ وَجَبَ أَن يُعجِّلَ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ اللهِ فِيهِ، وَلم يَجُزْ لَهُ تَأخِيرُهُ وَلا التَّهَاوُنُ بِهِ! فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ -يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ – فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ” (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ).
 
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “قَالَ اللَّهُ: إِنَّ عَبْدًا صحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ ووسَّعت عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَفِدُ إليَّ لَمَحْرُومٌ” (رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ).
 
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: “لَقَد هَمَمْتُ أَن أَبعَثَ رِجَالاً إِلى هَذِهِ الأَمصَارِ، فَلْيَنظُرُوا كُلَّ مَن كَانَ لَهُ جِدَةٌ ولم يحُجَّ فَيَضرِبُوا عَلَيهِمُ الجِزيَةَ، ما هُم بِمُسلِمِينَ مَا هُم بِمُسلِمِينَ“. (رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَر).
 
الْوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: “تَصْرِيحُ الْحَجِّ”: إِنَّ وَزَارَةَ الْحَجِّ رَأَتْ مِنْ خِلَالِ السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ أَنَّ الْحَجَّ غَيْرَ الْمُنَظَّمِ يَتَسَبَّبُ فِي ازْدِحَامٍ وَمَشَقَّةٍ عَلَى النَّاسِ, حَتَّى إِنَّ الْحُجَّاجِ غَيْرِ النِّظَامِيِّينَ رُبَّمَا تَسَبَّبُوا فِي وَفَيَاتٍ وَجُرُوحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ, وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ اشْتَرَطُوا أَنْ لا يَحُجَّ أَحَدٌ إِلَّا حَسْبَ النِّظَامِ.
 
وَمِنَ النِّظَامِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ تَصْرِيحٌ لِلْحَجِّ, وَلا يُعْطَى التَّصْرِيحَ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ حَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ يَدْفَعُ لَهَا مَبْلَغَاً مُعَيَّنَاً, وَفِي الْمُقَابِلِ يَقُومُونَ بِمُؤْنَةِ الْحَاجِّ مَعَهُمْ مِنَ السَّكَنِ فِي الْمَشَاعِرِ وَالتَّنَقُّلاتِ بِسَيَّارَاتِهِمُ الْخَاصَّة, وَتَوْفِيرِ الْوَجَبَاتِ وَجَمِيعِ مَا يَلَزْمُ لِإِتْمَامِ الْحَجِّ, وَقَدْ حَصَلَ خَيْرٌ وَنَفْعٌ وَرَاحَةٌ وَاضِحَةٌ يَعْرِفُهَا مَنْ جَرَّبَ الْحَجَّ فِي السَّنَوَاتِ السَّابِقَةِ قَبْلَ هَذَا النِّظَامِ, وَلِذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الْحَجُّ إِلَا حَسْبَ النِّظَامِ, بِتَصْرِيحٍ وَحَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ.
 
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ سِعْرَ الْحَمْلَاتِ مُرْتَفِعٌ وَأَنَا لا أَسْتَطِيعُ دَفْعَ هَذِهِ الْمَبَالِغِ وَلا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَعِيَ غَيْرِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَخَاصَّةً النِّسَاءَ, فَرُبَّمَا يَصِلُ الْمَبْلَغُ إِلَّا قُرْبِ الْمِائَةِ أَلْفِ رِيَالٍ، فَكَيْفَ أُوَفِّرُ هَذَا الْمَبْلَغَ؟
 
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لا يَلْزَمُكَ أَنْ تَحُجَّ مَا دُمْتَ لا تَسْتِطُيعُ دَفْعَ التَّكَالِيفِ, وَقَدْ جَاءَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ الاسْتِطَاعَةِ لِمَنْ يَحُجَّ, قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: 97], وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الْمَعْرُوفِ حِينَ سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَذَكَرَ لَهُ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ, قَالَ: “.. وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا“.
 
وَلِذَلِكَ نُبِشِّرُ إِخْوَانَنَا مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ وَمَنَعَهُمْ مِنَ الْحَجِّ أَنَّ التَّكَالِيفَ بَاهِظَةٌ وَلا يَسْتَطِيعُونَهَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِثْمٌ وَلَوْ لَقُوا اللهَ وَلَمْ يَحُجُّوا فَدِينُهُمْ كَامِلٌ وَلْيُبْشِرُوا بِالْخَيْرِ.
 
وَنَظِيرُ ذَلِكَ الرَّجْلُ الْفَقِيرُ لَوْ قَالَ: أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُكْمِلَ الرُّكنَ الثَّالِثَ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ, فَاجْمُعَوا لِي مَالاً لِكَيْ يَكُونَ عِنْدِي نِصَابٌ وَيَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلَ وَأُزَكِّي! فَإِنَّهُ لا أَحَدَ يُوَافِقُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ مَا دَامَ فَقِيرَاً, فَهَكَذَا مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ تَكَالِيفُ الحُجِّ لَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ.
 
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَأَمَّا “الْوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ”، فَإِنَّهَا فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الْحَمَلَاتِ الْوَهْمِيَّةِ, الذِينَ يُعْطُونَ تَصَارِيحَ بِأَسْعَارٍ رَخِيصَةٍ ثُمَّ يَكْتَشِفُ الْحَاجُّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي الْوَاقِعِ, فَالْوَاجِبُ الْحَذَرُ مِنْ هَؤُلاءِ, فَلَا تَدْفَعْ مَالَكَ إِلَّا لِحَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ مَشْهُورَةٍ.
 
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ, وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيْهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيْم, أَقُولُ قَولِي هَذَا وأَسْتِغْفِرُ الله العَظِيمَ لي ولكُم فاستغْفِرُوهُ إِنَّهُ هوَ الغفورُ الرحيمُ.
 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
 
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ والصَّلاةُ والسَّلامُ على خَاتَمِ النَّبِيِينَ وَقَائِدِ الغُّرِّ المُحَجَّلِينَ نَبيِنَا محمدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.
 
أَمَّا بَعدُ: فَاتّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَلا تَعصُوهُ، (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يجعَلْ لَهُ مخرَجًا * وَيَرزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ) [الطلاق: 2- 3].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: أَمَّا “الْوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ” وَالْأَخِيرَةُ؛ فَهِيَ فِي مَسْأَلَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ, وَلِكِنْ نَظَرَاً لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا بَلِ الضَّرُورَةِ, نُورِدُهَا حَيْثُ كَثُرَ الْكَلَامُ عَنْهَا وَتَدَاوَلَ النَّاسُ مَوْضُوعَهَا, أَلَا وَهِيَ “رُكُوبُ النِّسَاءِ مَعَ السَّيَّارَاتِ وَالتَّنَقُّلِ فِي دَاخِلِ الْمُدُنِ”، سَوَاءٌ الشَّرِكَاتُ الْحَدِيثَةُ الْمُتَخَصِّصَةِ فِي النَّقْلِ -مثل شركة أوبر, وشركة كريم- أَوِ السَّيَّارَاتُ الْخَاصَّةُ سَوَاءٌ كَانَتِ الْحَافِلَاتُ أَوِ السَّيَّارَاتُ الْخُصُوصِيَّةُ, وَقَدْ كَثُرَ دُخُولُهَا للِمَنَاطِقِ التِي كَانَ  أَهْلُهَا يَعْرِفُونَ الْغِيرَةَ عَلَى النِّسَاءِ, وَالْحَذَرَ مِنَ رُكُوبِ الْمَرْأَةِ مَعَ غَيْرِ أَهْلِهَا.
 
أَيُّهَا الرِّجَالُ: إِنَّ الْأَمْرَ جِدُّ خَطِيرٌ, وَلا يَجُوزُ التَّهَاوُنُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَمِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ, وَالْوَاجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَحْمِيَ أَهْلَهُ وَيُحُوطَهُمْ, لِأَنَّهُ هُوَ الْمَسْؤُولُ عَنْ ذَلِكَ أَمَامَ اللهِ وَأَمَامَ النَّاسِ, فَأَيْنَ الْغِيرَةُ عَلَى الْمَحَارِمِ؟ وَأَيْنَ الْغَضَبُ وَالْحِمْيَةُ مِنَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ؟
 
اتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الرِّجَالُ, وَلَيْسَ فِي الْخُطْبَةِ مُتَّسَعٌ لِنُورِدَ قَصَصَاً وَاقِعَةً فِيمَا يَحْدُثُ بِسَبَبِ إِرْكَابِ الْفَتَيَاتِ مَعَ تِلْكَ السَّيَّارَاتِ, حَيْثُ تَطْلُبُ بِهَاتِفِهَا ثُمَّ تَخْرُجُ فِي غَفْلَةٍ مِنْ وَلِيِّ أَمْرِهَا, وَرُبَّمَا تَعَاوَنَ مَعَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ أَمٍّ أَوْ أُخْتٍ أَوْ قَرِيبَةٍ وَتَسَتَّرُ عَلَيْهَا, إِمَّا لِأَنَّ الْكُلَّ يُشَارِكُ فِي هَذَا الْبَلَاءِ فَكُلُّ وَاحِدِةٍ تُغَطِّي عَلَى الْأُخْرَى، أَوْ خَوْفَاً عَلَيْهَا مِنْ وَلِيِّ أَمْرِهَا, وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ تَخَافَ عَلَيْهَا مِنَ اللهِ وَمِنْ نَارِهِ, وَتَخَافَ مِنَ الْفَضِيحَةِ التِي حَدَثَتْ مِرَارَاً فِي قَضَايَا مُتَنَوِّعَة.
 
أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ وَقُومُوا بِحُقُوقِ أَهْلِكِمْ, فَإِنَّ مِنْ أَسْبَابِ وُقُوعِ هَذِهِ الْكَوَارِثِ أَنَّ الْمَرْأَةْ تَخْرُجُ بِذَرِيعَةِ أَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ لِلسُّوقِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُوصِلُهَا مِنْ رِجَالِ الْبَيْتِ, ثُمَّ تَطْلُبُ هَذِهِ السَّيَّارَاتِ الْخَاصَّةَ, ثُمَّ مَاذَا يُتَوقَّعُ إِذَا انْفَرَدَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ؟ وَاللهُ الْمُسْتَعَان.
 
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-مَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ” (متفق عليه).
 
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: “إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ” (رَوَاهُ مُسْلِم).
 
فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنْ تُرَافِقَ أَهْلَكَ لِحَاجَتِهِمْ مِنَ السُّوقِ أَوِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ أَوْ غَيْرِهَا وَيَكُونُ خُرُوجُهُمْ تَحْتَ نَظَرِكَ وَبِمَعْرِفَتِكَ, فَإِنَّكَ مُكَلَّفٌ بِحِمَايَةِ عِرْضِكَ وَبِالْقِيَامِ بِحَقِّ أَهْلِكَ مِنْ زَوْجَةٍ وَبِنْتٍ وَأُخْتٍ بِلْ وَأُمٍّ.
 
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَحْفَظَنَا وَإِيَّاكُمْ بِحِفْظِهِ فِي بُيُوتِنَا وَأَهَالِينَا. اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
 
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمُسْلمينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ وَدَمِّرْ أَعَدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينَ, اللَّهُمَّ أعطنا وَلَا تَحْرِمْنَا وَأَكْرِمْنَا ولا تُهنا اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلا تُعِنْ عَليْنَا اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْنَا.
 
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَيْشَ السُّعَدَاءِ, وَمَوْتَ الشُّهَدَاءِ, وَالحَشْرَ مَعَ الأَتْقِيَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الأَنْبِيَاءِ, وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نبيِّنَا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.