أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
أيام التشريق خصائصها وأحكامها
التصنيف الموضوعي :مناسبات وشعائر

 

 أيام التشريق خصائصها وأحكامها


 
الخطبة الأولى: 
الحمد لله ذِي الفضلِ والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له الملِك العلاّم، وأشهد أنّ نبيّنا محمّدًا عبدُه ورسولُه سيّدُ الأنام، اللهمَّ صلِّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ما تعاقبتِ الليالي والأيام.
أما بعد:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
أما بعد:
أيها الإخوة: فقد جمع الله للمسلمين في هذا اليوم عيدين عيد الأضحى وهو يوم الحج الأكبر، وعيد الأسبوع يوم الجمعة، فاجتمع لنا في هذا اليوم فضلان: فضل العيد وفضل الجمعة. نسأل الله أن يوفقنا للعمل الصالح والقبول.
وأيام التشريق ثلاثة، هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من هذا الشهر، وتشترك في الأحكام، فهي أيام أكل وشرب يحرم صيامها إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وكلها وقت لذكر الله وتكبيره وتحميده، فهي الأيام المعدودات التي أمر الله بذكره فيها فقال تعالى: (وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَات) [البقرة:203]، وعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ". رواه مسلم، وعند أحمد بسند صحيح: "أَلا وَإِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ". وفي الموطأ أن رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ -رضي الله عنه- أَيَّامَ مِنًى يَطُوفُ يَقُولُ: "إِنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ".
وهي أيام عيد؛ فعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا -أَهْلَ الإِسْلَامِ-، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ". رواه أبو داود والترمذي والنسائي بسند صحيح، وكلها وقت لرمي الجمرات للحاج، وكلها وقت لذبح الأضاحي والهدي.
أيها الأحبة: ومن أهم الذكر المشروع فيها التكبيرُ، وهو عند أهلِ العلم نوعان: مطلقٌ ومقيّد، فالمطلق يكونُ في جميع الأوقات من ليل أو نهار من بداية عشر ذي الحجة، وينتهي بغروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، وهو الذي صححه شيخنا محمد بن عثيمين -رحمه الله-، والمقيّد هو الذي يكون في أدبارِ الصّلواتِ فرضِها ونفلِها على الصّحيح، للرّجال والنّساء، وأصحُّ ما ورد في وقتِ التكبير المقيّد ما ورَد مِن قولِ عليٍّ وابنِ عبّاس -رضي الله عنهم- أنّه للمقيمين مِن صُبح يومِ عرفة إلى العصرِ من آخر أيّام التشريق. أخرجه ابن المنذر وغيره.
وأمّا للحاجّ فيبدأ التكبيرُ المقيّد له عقِب صلاةِ الظهر من يوم النحر.
وقد سألت شيخنا محمد بن عثيمين -رحمه الله- عن صفة التكبير المقيد فقال: "التكبير المقيد إذا سلَّمَ من صلاته وبعد أن يقول: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، يكبر ما شاء الله له أن يكبر، ثم يعود إلى أذكار الصلاة". اهـ.
أيها الإخوة: والتكبير المطلق مشروع أيضًا في الأسواق وفي البيوت وفي المساجد وفي الطرق تعظيمًا لله تعالى وإجلالاً له، وإظهارًا لشعائره؛ قال البخاري في صحيحه: بَابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى، وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ، ثم قال: وَكَانَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا. وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ: تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ. وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ.
وهو مشروط بعدم ارتفاع الصوت، بل بلغت أهمية التكبير المقيد أدبار الصلوات أن العلماء قالوا: يقضيه إذا نسيه، فإذا نسي أن يكبر عقب الصلاة فإنه يكبر إذا ذكر ولو أحدث أو خرج من المسجد ما لم يطل الفصل بين الصلاة والتكبير.
أيها الإخوة: وينبغي للذاكر أن يتدبر الذكر الذي يقوله، ويفهم معناه، وهذا أدعى للخشوع والتأثر به، ومن ثمّ صلاح القلب، قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصدَه".
أيها الإخوة: إن ذكر الله تعالى من أفضل العبادات وأجلّها، قال تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت:45] قال الشوكاني: "أي أكبر من كل شيء، أي أفضل من العبادات كلها بغير ذكر".
وذكره تعالى فيه حياة القلوب وطمأنينتُها وسكينتُها كما قال تعالى: (أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب) [الرعد:28].
أيها الإخوة: من ذكر الله في كل أحيانه هانت عليه الدنيا وما فيها، فلا يشقى بها، لأنه يذكر خالقها، ويعلم أن ما عنده خير وأبقى. (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). كونوا من (أُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ).
أسأل الله تعالى أن يلهمنا ذكره وشكره، وأن يجعلنا من الفائزين بجنته ووالدينا إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 

الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أيها الإخوة: الله أكبر كلمة طالما سمعناها وما أكثر ما رددناها، فما معنى الله أكبر؟! خذ الجواب من شيخنا محمد بن عثيمين -رحمة الله- قال: "معناها أن الله تعالى أكبرُ من كل شيء في ذاته، وأسمائه وصفاته، وكلُّ ما تحتمله هذه الكلمة من معنى، قال الله -عز وجل-: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر:67] وقال: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:104]. ومن هذه عظمته، فهو أكبر من كل شيء، وقال: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الجاثية:37]. فكل معنى لهذه الكلمة من معاني الكبرياء فهو ثابت لله -عز وجل-".
فالله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، اللهُ أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وصلوا…