أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
موعظة في توديع العام والاعتبار بسرعة مضيه
التصنيف الموضوعي :مناسبات

 

موعظة في توديع العام والاعتبار بسرعة مضيه


 
الحمد لله الحي القيوم على مر الدهور وكر العصور، أحمده سبحانه (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر:19]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان:61-62]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث بالحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه على هداه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم تُوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون، وتزودوا بعمل صالح تسرون به (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) [آل عمران:30].
أيها المسلمون: إن كثيرين من الناس تمضي عليهم الأيام والشهور، وتنصرم عليهم الأعوام والدهور، وهم بين السهو والغفلة، واللهو وكثرة المشاغل، والانهماك في متع الحياة حتى يفجأهم الموت وهم على غير استعداد، قد شغلهم الأمل عن صالح العمل، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:99-100]. فيغبن أحدهم في فرصة العمر المديد التي وهبه الله إياها؛ ليتزود فيها من الصالحات قبل انقضاء الحياة (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) [فاطر:37].
وكم وجه الله تعالى أنظار عباده إلى الاستعداد ليوم المعاد، والتزود له بخير الزاد، إذ يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ *وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون:9-11]. ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:18-20].
أيها الناس: ألا ترون أن الأيام تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان في الثرى تبلى، وأن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد، فيقربان كل بعيد، ويخلقان كل جديد ويأتيان بكل موعود، وأنكم في الأيام الماضية ودعتم عاماً جديداً لا تدرون كم تبلغون منه من الآمال، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون، وفي كل يوم تعيشون غادياً ورائحاً منكم إلى الله، قد قضى نحبه فتودعونه، وتدعونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غنياً عما خلف، فقيراً إلى ما أسلف، أليس في ذلك أجل العبر وأبلغ العظات؟
فاتقوا الله عباد الله، واغتنموا الأعمار فيما يحبه الله ويرضاه، بالنية الحسنة، والكلم الطيب، والعمل الصالح، فقد روي أنه ما من يوم ينشق فجره إلا نادى منادٍ من قبل الحق: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني بعمل صالح، فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
أيها الناس: إنكم في ممر الليالي والأيام، وفي آجال منقوضة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن استطاع أن يقضي الأجل، وهو في صالح من العمل، فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل، وإن الله تعالى أثنى على زكريا عليه السلام وأهل بيته، فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90].
فازرعوا خيراً يكن لكم عند الله ذخراً؛ فإن لكل زارع ما زرع، فمن زرع خيراً يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شراً يوشك أن يحصد ندامة، ولا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص بحرصه، ما لم يقدر له، فمن أعطي خيراً فالله أعطاه، ومن وقي شرًّا فالله وقاه، وإن المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم، ومن الصحة قبل السقم، ومن الإمكان قبل الفوت، ومن الحياة قبل الموت، فوالله ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فعليكم بالآخرة تتبعكم الدنيا، فإن الله تعالى قد خط آثاركم، وقدر أرزاقكم، فلا تميلوا إلى الدنيا فتميل بكم عن قصدكم، وتستبدل بكم غيركم، واطلبوا ما عند الله، وآثروه على ما سواه، ولا تتشاغلوا بما لم تؤمروا به عما كلفكم به الله؛ فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته، والله غني عن العالمين.
أيها المسلمون: أقبلوا على ما كلفتموه من إصلاح آخرتكم، وأعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم، ولا تستعملوا جوارح خلقها الله وغذاها بنعمته، بالتعرض لسخطه بمعصيته، واجعلوا شغلكم بالتماس مغفرته، واصرفوا هممكم بالتقرب إليه بطاعته، فإنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة، ولم يدرك منها ما يريد، ومن بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إلى نصيبه من الدنيا، وأدرك من الآخرة ما يريد، فلا تشغلنكم دنياكم عن آخرتكم، ولا تؤثروا أهواءكم على طاعة مولاكم، ولا تجعلوا إيمانكم ذريعة إلى معاصيكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ومهدوا لها قبل أن تعذبوا، وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا، فإنما هو موقف عدل واقتضاء حق، وسؤال عن واجب، وقد أبلغ في الإعذار من تقدم الإنذار، ألا وإن أفضل الناس عبد عرف ربه فأعطاه، وعرف عدوه فعصاه، وعرف دار إقامته فأصلحها، وعلم سرعة رحلته فتزود لها، ألا وإن خير الزاد ما صحبه التقوى، وخير العمل ما تقدمه صالح النية، وأعلى الناس منزلة عند الله أخوفهم منه.
ابن آدم! مسكين أنت؛ تؤتى كل يوم برزقك، وأنت تحزن، وينقص كل يوم من عمرك، وأنت تفرح، أنت فيما يكفيك، وتطلب ما يطغيك، ولا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر:37].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا جميعاً بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.