أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
كيف نودع عاماً وبم نستقبل آخر
التصنيف الموضوعي :مناسبات

 

 كيف نودع عاماً وبم نستقبل آخر


 
الحمد لله رب العالمين: (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [المؤمنون: 79-80].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [فاطر: 11].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، توفاه ربه بعد أن عمره ما شاء واستكمل أجله، وعلم أمته أن أعمارهم ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: 18-19]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج:1].
إخوة الإسلام: كيف نودع عاماً، وبم نستقبل عاماً آخر؟ سؤال يفرض نفسه هذه الأيام، ترى كم هم الذين يشغل بالهم هذا السؤال؟ وكم من المسلمين لا يلفت نظرهم على الإطلاق هذا السؤال؟ إلا بفارق السنة الهجرية، أو تذكر العلاوة السنوية؟ ودعونا نحسن الظن بالناس ونقول: إن فئة من المسلمين يشغل بالهم هذا السؤال من ذوات أنفسهم، وفئة أخرى قد تكون غافلة لكنها إذا ذكرت تذكرت… ولنعد إلى السؤال: بما نستقبل وكيف نودع؟
إن نهاية عام تعني ذهاب ثلاث مئة وستين يوماً من عمر الإنسان، وتلك تحوي أعداداً كثيرة من الساعات وأضعافها من الدقائق والثواني، كما تحوي عدداً من الأعمال دقت أو جلت، صلحت أم خبثت، وتحوي في طياتها عدداً من الخطرات، وأنواعاً من الهواجس، وألواناً من الحركات… وهذه فيها الصالح والطالح، وفيها ما هو في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وفيها ما تهوى الأنفس وتلذ الأعين وإن كانت في غير مرضاة الله، ومخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في هذه الأيام والساعات والدقائق أعمال صالحة تسر النفس لذكراها، ويود المرء لو كانت حياته كلها على منوالها، وقد يكون فيها من أعمال السوء ما يود صاحبها أن يتناساها، ويرغب أنه لم يقترفها، ويوم القيامة يود لو كان بينه وبينها أمد بعيد…
ترى هذه الأعمال والحركات والرصيد المتجمع خلال عام أليس خليقاً بالمحاسبة والتذكر؟ والمحاسبة النافعة هي التي تقود صاحبها إلى استدامة عمل الخير، وقصر النفس قدر المستطاع عن عمل السوء، والنظر في العواقب تلقيح العقول -كما قيل- ومن أقوال الحكماء: "شيئان إذا عملت بهما أصبت خير الدنيا والآخرة: تحمل ما تكره إذا أحبه الله، وتترك ما تحب إذا كرهه الله". وقال العارفون: "ما أحببت أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم، وانظر كل عمل كرهت الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى مت"؟.
كم تلهينا الدنيا وهي متاع الغرور، فتمر الأيام والأعوام سراعاً بلا تفكير، وكم تفتنا بزينتها، ومتاعها في الآخرة قليل، وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون… وكل نفس مصيرها إلى الموت والفناء… ولكن المهم ما بعد ذلك: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور) [آل عمران:185]، وكم ننخدع بوساوس الشيطان، وقد عسي فلم يضر، وأطيع فما نفع… ويوم القيامة يتبرأ من متبوعيه ويقول حين يقضى الأمر: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [ابراهيم: 22].
من قدوتك في هذه الحياة؟ وما نوع الخليل الذي تتخذه لك صديقاً، والله يقول: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]، ويقول صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل". هل تفكر جاداً في الموت وما بعده؟
عباد الله: وكم نتساهل بالذنوب وهي -كما قيل- مهلكات تفوت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وتحجبه عن معرفة ربه في الدنيا، وعن تقريبه في الآخرة: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: 13-14]، ومصيبة حين تتراكم علينا الذنوب ونحن لا نشعر، فيكون الران على القلوب (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ) [المطففين: 14-16]، ويرحم الله أقواماً كانت ذنوبهم قليلة، وحياتهم عبادة وخشوعاً وزهداً وورعاً، ومع ذلك يقول أحدهم تورعاً وتواضعاً وخشية: "لو كان للذنوب ريح ما جلس إلي أحد" هكذا كان يقول محمد بن واسع الأزدي رحمه الله، الذي قال عنه سليمان التيمي رحمه الله: "ما أحد أحب أن ألقى الله بمثل صحيفته مثل محمد بن واسع".
يا عبدالله: كم في صحائفك الماضية من توبة واستغفار، والله يقول: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) [هود:90]، ويقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) [طـه:82]. وفي الأثر: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً".
وهذا سيد البشر المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
كم تراغم الشيطان بالتوبة، وكم تحت الخطايا بالاستغفار، فكيف إذا كانت التوبة واجبة ثابتة بنصوص الكتاب والسنة كما قرر العلماء؟!. وينسب للإمام أحمد رحمه الله قوله:
لهونا عن الأيام حتى تتابعت *** ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى *** ويأذن في توباتنا فنتوب
إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم *** وخلفت في قرن فأنت فيهم غريب
عباد الله: وفي سبيل محاسبة أنفسكم في نهاية عام وابتداء عام، تذكروا أن أشق شيء على النفوس جمعيتها على الله، وهي تناشد صاحبها أن لا يوصلها إليه، وأن يشغلها بما دونه، فإن حبس النفس على الله شديد، وأشد منه حبسها على أوامره، وحبسها عن نواهيه، فهي دائماً ترضيك بالعلم دون العمل …
أيها المسلمون: ما أجمل الأعمار تختم بالتوبة والاستغفار، وسبيل المسلم في ذلك أن نختم كل عمل، وكل مجلس، وكل خطأ أو ذنب بالتوبة والاستغفار… ولا يزال الله يعفو ما أحدث العبد توبة وندماً واستغفاراً… فإن نسيت التوبة أو فاتك الاستغفار في شيء من أيام العام، فلا يفوتنك ذلك في نهاية العام، فالأعمال بالخواتيم، وصحائف العام لم تطو بعد، فأشهد ربك على توبتك، ولا تصر على صغيرة، أو تحقرن من الذنوب شيئاً وإن داخلك الشيطان بتعاظم ذنبك وعدم مغفرة ربك، فاعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء، والله يغفر جميعاً…
ربنا كريم يحب عبده إذا اقترب منه، ويمحو عنه زلاته، قال الله عز وجل – في الحديث القدسي: "من عمل حسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤه مثلها، أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئاً جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلي ذراعاً اقتربت غليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة"، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) [الزمر: 53-54].
 

الخطبة الثانية:
الحمد لله كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ) [الرحمن: 26-27]، وأشهد أن محمد الله عبده ورسوله، أدركت سنة الله في المرسلين قبله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُم) [آل عمران: 144]. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمون: أما العام الجديد فهو صفحة بيضاء ينتظر الحفظة الكاتبون ما أنتم عاملون، ألا فاستقبلوه بعزائم قوية، ونية صادقة على فعل الخير، وسيحفظ لكم النقير والقطمير، ولن تكفروا من أعمالكم شيئاً: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) [الانبياء:94].
تذكروا أن عاماً بأكمله سيجري الله فيه من الأحداث ما يجري ويقدر ما يشاء، ألا فاسألوه من خير هذا العام، واستعيذوا به من شروره وفتنه، فلا يرد القضاء إلا الدعاء، وكم من فتنة حصلت؟ وكم من أمراض ومصائب وشرور حدثت في العام المنصرم؟ فإذا سلمكم الله منها فيما مضى فاسألوه أن يحفظكم منها، ويعيذكم من شورها فيما تستقبلون من عامكم الجديد.
استقبلوا العام الجديد بوضع عدد من التساؤلات والنقاط تحددون بها مساركم، وتقيمون فيها بعدكم أو قربكم من الخير، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فمن هذه النقاط في التقويم، ما نوع العلاقة مع الله؟ وما نوع العلاقة مع الخلق؟ كيف أنت في العبادات؟ وكيف أنت في المعاملات؟ ما هي الخطيئة أو الخطايا التي لازمتك في عامك المنصرم وتنوي الخلاص منها في عامك الجديد؟
ما في الفضيلة أو الفضائل التي فاتتك في عامك الماضي، وتفكر جاداً ألا تفوتك في العام المقبل؟ كيف أنت وفتنة الأهواء والشهوات والشبهات والفضائيات؟
ما قيمة الوقت عندك؟ وبماذا تستثمره؟ طاقاتك كيف تصرف، وقدراتك بماذا تستثمر؟ مانوع اهتمامك، هل تحمل هم الإسلام؟ وهل تستشعر قضايا المسلمين؟ وبماذا ساهمت فيها؟ ما مدى شعورك بانتصار الحق وأهله؟ وما مدى أسفك لغلبة الباطل وكثرة المبطلين؟ هل تشكل الدعوة إلى الله جزءاً من حياتك، وما نصيب أهلك وأبنائك وذوي رحمك وجيرانك وزملائك وعموم المسلمين منها؟ هل تجدد في أساليب دعوتك، وهل تتحرى الحكمة في قولك وفعلك؟ ما مدى قيامك بواجبك الوظيفي، وعلى أي نحو تؤدي الأمانة التي أؤتمنت عليها في أي موقع كنت؟ حاسب نفسك في نوع مطعمك ومشربك، وملبسك، وماذا تسمع وتبصر، وبم تنطق، وماذا تضمر في فؤادك: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الاسراء: 36].
راجع نفسك في أداء الفرائض، وكم قدر الاحتياطي عندك في السنن، فهن مكملات لنقص الفرائض، مسددات للخلل، رافعات للدرجات، مكفرات للسيئات، ما نصيبك من ذكر الله؟ وكيف صلتك بكتاب الله؟ وكيف أنت والنفقات الواجبة والمستحبة؟
أيها المسلمون: هذه وأمثالها مراجعات يحسن بالمرء أن يراجع نفسه ويسألها عنها على الدوام… وهي خليقة بالمحاسبة مع انصراف عام وبدء عام، وإذا أخرجت لنفسك ميزانية في آخر العام عرفت قدر المكاسب فيها والخسران، وإذا علمت ذلك سددت وقاربت قدر الإمكان، وتلك الميزانية والمحاسبة، وربي، أولى من غيرها في موازين الدنيا ومحاسباتها… والغفلة ثورت الهلكة… وما أعظم الحسرة حين يرد الناس يوم القيامة بحسنات كالجبال، ويرد المفرطون الغافلون بالخيبة والخسران، يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون.
عباد الله: نهاية عام وبدء عام مذكرة بسرعة الأيام وانقضاء الأعمار، فإذا كانت الساعة تشكل قدراً في أجل الإنسان، فكيف مما يزيد على ثمانية آلاف وست مئة ساعة في السنة، والله يقول: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف:34].
يا عبدالله: وبين عام مضى وعام يوافي عبر توقظ الضمير الغافي، وهل نسيت أنه حصل ف بالعام المنصرم علل وأسقام، وفتن وهموم، وفقر وحروب، وأموات رحلت، ودماء أزهقت، وأطفال ونساء تأيمت… فإذا سلمك الله من هذا كله فاحمد الله واشكره، واعلم أن ما تخطاك لغيرك سيتخطى غيرك إليك، فكن مستعداً للقاء ربك، مغتنماً شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
أيها المسلم: ومما يفيدك في المحاسبة – بشكل عام – أن تنظر في أمور دينك إلى من فوقك فذلك أدعى لرفع همتك، وتنظر في أمور دنياك إلى من هو دونك حتى لا تزدري نعمة الله عليك.
إخوة الإسلام: نهاية العام فرصة للتأمل في المتغيرات التي تحصل في المجتمعات فما موقع المسلمين في خارطة العالم، وما نوع القوى التي تحظى بالنفوذ والسيطرة؟ إلى أين يسير الشباب؟ وماذا يراد للمرأة المسلمة؟ وماذا تصنع القنوات، وكم هي ضحايا الخمور والمخدرات؟ وكيف السبيل لتصحيح المسار، والوقاية خير من العلاج.
(وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251]، (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 116-117].
عباد الله: وهذا اليوم -الذي نحن فيه- هو اليوم الموفي للعام المنصرم، أو هو أول أيام العام الجديد، وإذ يوافق يوم الجمعة ومنه ساعة استجابة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، فإنني أذكر نفسي وإخواني بقيمة الدعاء فيه، ولا سيما في آخر ساعة منه.
اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، واجمع كلمتنا على الحق والهدى، واغفر لنا ما سلف من ذنوب وأخطاء فيما مضى من عامنا واجعل عامنا الجديد عام خير وبركة ونصر للإسلام والمسلمين، اللهم أعنا فيه على عمل الصالحات وجنبنا الموبقات والمهلكات.