استدامة الطاعات
أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
قدوم عام

 

قدوم عام

 


إن الحمد لله…
أما بعد:
أيها المسلمون: إن الجديد من كل شيء محبَّب إلى القلوب ومبهِج للنفوس، تشتاق إليه وتأنس به، وذلك بعكس القديم الذي غالبًا ما تعافه النفوس وتبتعد عنه، وقد أقبل علينا عامنا الجديد بزهوته وجماله الذي يذكرنا بمناسبة من أهم وأعظم المناسبات التي مرت بها الأمة الإسلامية.
إن العام الهجري لم يكتسب قيمته إلا من خلال الحدث الفذ الذي ارتبط به، ألا وهو هجر الديار والأوطان والأهل والخلان، قُربة إلى الله تعالى، وتقديم حبه وحب دينه ورسوله على حب الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارات والمساكن: (قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين) [التوبة: 24].
لقد كانت هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة عملاً إيجابيًّا وإعدادًا للمواجهة التي لا بد منها بين الحق وأهله وبين الباطل وأحزابه، ولم تكن عملاً انسحابيًّا يُؤْثِر الفرار على المواجهة، إبقاءً على المهج وضنًّا بالأرواح أن تزهق في سبيل الله، والأموال أن تنفق في نصرة دينه وإعلاء كلمته.
كانت الهجرة الميمونة حدًّا فاصلاً واضحًا بين مرحلتين متمايزتين من مراحل الدعوة الإسلامية: مرحلة كف الأيدي والصبر على الأذى، رغبة في هداية الناس، وجمع أكبر عدد من الأنصار لرسالة الإسلام، ثم مرحلة الدفاع عن النفس ورد العدوان والمعاملة بالمثل، والدعوة إلى الله بالجهاد في سبيله تعالى.
ظل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طيلة ثلاثة عشر عامًا يدعو إلى الله تعالى في مكة المكرمة، يصبر على الأذى من قومه، ويحتمل منهم الصد والإعراض، لم يصبه من جرّاء ذلك كلل أو ملل، وكان في هذا أيضًا دعوة إلى الأمل المشرق بانبلاج الصبح بعد عتمة الليل، والثقة في وعد الله تعالى بالنصر والتمكين وإن طال الزمن، فإن الله تعالى ينصر عباده الذين صَدَقـوه ولا يخذلهم ولا يسلمهم لأعدائهم، وأنهم لو تعرضوا لأمور طارئة تخرج عن قدراتهم فإن الله تعالى يجعل لهم منها مخرجًا، فإذا أُتي المسلمون فلن يؤتَوْا إلا من قِبَل أنفسهم، والتاريخ كله شاهد على ذلك، فالله صادق في وعده ولا يخلف الميعاد كما قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِين) [آل عمران: 152]، وقال تعالى مقررًا قاعدة عامة تنطبق على كل أحد في كل وقت وفي كل مكان: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) [الطلاق: 2]؛ فكل من كان متقيًا لله -عز وجل- فإن الله قد وعده بالمخرج من الضيق الذي هو فيه.
أيها المسلمون: إنّنا في هذهِ الأيّام نودّع عامًا ماضيًا شهيدًا، ونستقبل عامًا مقبلاً جديدًا، فليتَ شِعري ماذا أودَعنا في عامنا الماضي؟! وماذا نستقبل به العامَ الجديد؟!
عام كامل تصرمت أيامه، وتفرقت أوصاله، وقد حوى بين جنبيه حِكمًا وعبرًا، وأحداثًا وعظات؛ فلا إله إلا الله كم شقي فيه من أناس، ولا إله إلا الله كم سَعِدَ فيه من آخرين؟! لا إله إلا الله كم من طفل قد تيتم، وكم من امرأة قد ترملت، وكم من متأهل قد تأيم؟! لا إله إلا الله كم من مريض قوم قد تعافى، وسليم قوم في التراب قد توارى؟! لا إله إلا الله كم من أهل بيت يشيعون ميتهم، وآخرون يزفون عروسهم؟! لا إله إلا الله دار تفرح بمولود، وأخرى تُعزَى بمفقود؟! لا إله إلا الله عناق وعَبَرَات من شوق اللقاء، وعَبَرَات تهلّ من لوعة الفراق؟! لا إله إلا الله آلام تنقلب أفراحًا، وأفراح تنقلب أتراحًا؟! أيام تمر على أصحابها كالأعوام، وأعوام تمر على أصحابها كالأيام.
كم ودّعنا فيما مضى من أخ أو قريب، وكم فقدنا من عزيز وحبيب، هزّنا خبره وفجعنا نبؤه، لقد كانوا زينة المجالس وأُنسها، سبقونا إلى القبور، وتركوا عامر الدور والقصور، فاللهم أمطر على قبورهم سحائب الرحمة والرضوان، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى.
لقد انتهى عامنا ولكن بماذا انتهى؟! حضر فلان وغاب فلان، مرض فلان ودفن فلان، وهكذا دواليك، تغيّر أحوال، وتبدل أشخاص، فسبحان الله ما أحكم تدبيره، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، يعطي من يشاء بفضله، ويمنع من يشاء بعدله، وربك يخلق ما يشاء ويختار، أمور تترى، تزيد العاقل عظة وعبرة، وتنبه الجاهل من سبات الغفلة، ومن لم يعتبر بما يجري حوله فقد غبن نفسه.
أيها المسلمون: إن تعاقب الشهور والأعوام على العبد قد يكون نعمة له أو نقمة عليه، فطول العمر ليس نعمة بحد ذاته، فإذا طال عمر العبد ولم يَعمُره بالخير فإنما هو يستكثر من حجج الله تعالى عليه، أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله".
إن هذا العام الذي ولى مدبرًا قد ذهب ظرفه وبقي مظروفه بما أودع فيه العباد من الأعمال، وسيرى كل عامل عمله (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) [آل عمران: 30]، سيرى كل عامل عمله (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال: 42]، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46].
فالعاقل من اتعظ بأمسه، واجتهد في يومه، واستعد لغده، فانظر -أيها الحبيب- في صحائف أيامك التي خلت، ماذا ادخرت فيها لآخرتك، واخل بنفسك وخاطبها: ماذا تكلم هذا اللسان؟! وماذا رأت العين؟! وماذا سمعت هذه الأذن؟! وأين مشت هذه القدم؟! وماذا بطشَت هذه اليد؟! وأنت مطلوب منك أن تأخذ بزمام نفسك وأن تحاسبها، فلنحاسب أنفسنا -يا عباد الله- على الفرائض، ولنحاسب أنفسنا على المنهيات، ولنحاسب أنفسنا على الغفلات، فنحن نمتطي عربة الليالي والأيام، تحث بنا السير إلى الآخرة؛ سمع أبو الدرداء رجلاً يسأل عن جنازة مرّت: فسُئل: من هذا؟! فقال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: هذا أنت.
فهلُمّ نتساءل يا عبد الله: حقوق الله هل وفّيتها؟! حقوق العباد هل أدّيتَها؟! ما حالك مع الصّلاة؟! هل تؤدّيها مع الجماعة بشروطها وأركانها وواجِباتها وخشوعِها؟! هل تسكب من خشيةِ الله الدموع؟! فإنّ النار لا تدخلُها عينٌ بكت من خشية الله؟! هل ما زلتَ مصِرًّا على هجر صلاتَي الفجر والعصر مع الجماعة؟! وأنت تعلم أن من فاتته صلاةُ العصر فقد حبِط عملُه، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، أما زلتَ غافلاً عن تلاوةِ كتاب الله؟! وقد كنتَ مقبِلاً عليه في شهر رمضان! النوافلُ والمستحبّات لِمَ تفرّط فيها وهي علامة الإيمان وطريق محبّة الرحمن؟! وقد ورد في الحديث القدسي: "وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمَع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها".
أخي المسلم: إنّك في العام الجديد لا تدري ما يستجدّ لك فيه من أحوالٍ مع تقلّباتِ الليل والنهار، فخذ من صحّتِك لمرضك، ومن حياتك لموتك، ومن غِناك لفقرك، ومن شبابك لهرمِك، فالبدارَ البدارَ -يا عبد الله- قبل أن يُختم لك بخاتمة سوء وأنت مُصِرّ على تلك المعصية ولم تتبْ منها، وتذكّر الحشرَ والنّشر وهوْلَ جهنّم وما أعدّه الله للعصاة والفسقة من الأغلال والحديد والزقوم والصديد، في نارٍ قال عنها رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: "إن أهون أهل النار عذابًا رجل انتعل نعلين يغلي منهما دماغه". فإلى متى نسبح في بحار الغفلة، ونسير مع رياح الهوى؟! أليس وراءنا حساب؟! أليس وراء الحساب عذاب؟!
قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل".
نسير إلى الآجال في كل لحظة *** وأعمارنا تُطوَى وهنَّ مراحل
ترحّل من الدنيا بزاد من التقى *** فعمرك أيـام وهـنّ قلائل
بارك الله لي ولكم ..
 
 
 

الخطبة الثانية:
 
الحمد لله…
أما بعد:
أيها المسلمون: إنّ هذه الشمسَ التي تطلُع كلَّ يوم من مشرقها وتغرب في مغربها تحمِل أعظمَ الاعتبار، فطلوعُها ثم غيابُها إيذان بأنّ هذه الدنيا ليست دارَ قرار، وإنما طلوعٌ وزوال، انظروا إلى هذه الشهور، تُهلّ فيها الأهلّة صغيرةً كما يولَد الأطفال، ثم تنمو رويدًا رويدًا كما تنمو الأجسام، حتى إذا تكامل نموُّها أخذت في النقص والاضمحلال، وهكذا عمر الإنسان، تتجدّد الأعوام عامًا بعد عام، فإذا دخَل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظرَ البعيد، ثم تمرّ به الأيام سِراعًا، فينصرم العامُ كلمح البصر، فإذا هو في آخر العام، وهكذا عُمر الإنسان، يتطلّع إلى آخره تطلُّع البعيد، فإذا به قد هجم عليه الموت، يؤمّل الإنسان بطولِ العمر، ويتسلَّى بالأماني، فإذا بحبلِ الأماني قد انصرم، وبناء الأماني قد انهدَم، كيف يفرح مَنْ عُمره يقوده إلى أجلِه، وحياتُه تقوده إلى موته؟! قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كيفَ نفرَح والموتُ من ورائنا، والقبور أمامنا، والقيامةُ موعدنا، وعلى جهنّم طريقنا، وبين يدَي ربنا موقفنا.
أخي الحبيب: دنياك مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر.
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا *** واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
لم ينسه الملكـان حـين نسيتـه *** بل أثبتـاه وأنـت لاه تلعـب
والروح منـك وديعـة أودعتهـا *** ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التـي تسعـى لهـا *** دار حقيقتها متـاع يذهـب
الليل فاعلـم والنهـار كلاهمـا *** أنفاسنا فيهـا تعـد وتحسـب
(قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُون) [الزمر: 53، 54].
لا بد من وقفة بطولية ومحاسبة شديدة حازمة حاسمة لهذه الأنفس لكي نردعها عن الزيغ والفساد، قبل أن تجرنا إلى الهاوية، فإذا لم نربِّها على الفضيلة جرفتنا إلى الرذيلة، وإذا لم نرفعها وضعتنا، وإذا لم نجرها إلى الحسنات سحبتنا إلى السيئات، إذن فلا بد من معالجة هذه الأنفس قبل أن يستفحل المرض، وقبل أن ينتشر ويكون رانًا على القلوب وغلافًا على الصدور، وعلينا أن نطهرها وننظفها، لتكون بيضاء نقية لاستقبال العام الجديد، وكما قيل: المحسن هو من كان يومه خيرًا من أمسه، وغده خيرًا من يومه، والمسيء من كان أمسه خيرًا من يومه، ويومه خيرًا من غده، فالمؤمن يبقى على عبادة الله تعالى حتى يأتيه الموت.
وكما يحاسب كل منا نفسه على ما قدم في عامه المنصرم، فإن من واجب الأمة الإسلامية كذلك أن تحاسب نفسها على ما قدمت في عامها، أين حالها اليوم؟! وأين حالها منذ عام؟! إن أمتنا حينما تنظر إلى عامها المنصرم ترى التقصير، وترى أن الأيام تمر عليها يومًا بعد يوم وهي لا تصعد إلى العُلا، ولا ترتفع في سلم المجد، بل تهوي وتهوي يومًا بعد آخر، وترى الأمم وهي تتداعى عليها شرقًا وغربًا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
أيها المسلمون: لقد حلّ علينا من أعمارنا ضيف فلنكرمه بصالح القول والعمل والنيات، إنه يحمِل لنا صفحاته البيضاء فلا نملأها إلا بما يزين، إن كثيرين مثلنا انتظروا وأمّلوا حلول هذا العام عليهم فما أدركهم، سبقت عليهم الآجال، وارتهنوا في قبورهم بما قدموه من الأعمال، ألا وإنّ الأليق بنا أن نشكر الله على هذه المهلة، ونستنقذ فيها أنفسنا، إذا كنّا أمهلنا حياة إلى الآن فلا أحد يملك ولو للحظة شهادة أمان، وإن أقوى الأقوياء أضعف من أن يدفع عن نفسه أقلّ من مثقال ذرة من قدر الله، فلنعتبر قبل أن نكون عبرة.
إن من أعظم الغفلة أن يعلم الإنسان أنه يسير في هذه الحياة إلى أجله، يَنقص عمره، وتدنو نهايته، وهو مع ذلك لاهٍٍ غافلٍ لا يحسب ليوم الحساب، ولا يتجهز ليوم المعاد، يؤمّل أن يعمّر عمر نوح، وأمر الله يَطرُقُ كل ليلة، والواعظ يقول له:
يا راقد الليل مسرورًا بأوله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحارًا
كم رأينا في هذه الحياة من بنى وسكن غيره، وجمع ثم أكل وارثه، وتعب واستراح من جاء بعده، ألم يأن للغافلين اللاهين في هذه الحياة أن يدركوا حقيقتها وأن حياتها عناء، ونعيمها ابتلاء، جديدها يبلى، وملكها يفنى، ونحن مع ذلك في غفلة، كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب.
فتزودوا من الأعمال الصالحة، ولا تغتروا بهذه الدنيا الفانية، واعلموا أنكم راحلون عما قريب، ومفارقون لهذه الدنيا، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيّ.
كان الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كثيرًا ما يتمثل قول الشاعر:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته *** يبقى الإله ويفنى المـال والولـد
لم تغنِ عن هرمز يومًا خزائنه *** والخلد قد حاولت عادٌ فما خَلَدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له *** والإنس والجن فيما بينهـا تردُ
أين الملوك التي كانت لعزتهـا *** من كل أوبٍ إليها وافـد يفـد
حوض هنالك مورود بلا كذبٍ *** لابد من ورده يومًا كما وردوا