أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
في وداع العام الهجري
التصنيف الموضوعي :مناسبات

 

في وداع العام الهجري


 
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ن يذكر أو أراد شكوراً. والحمد لله الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله واعتبروا بما ترون وتسمعون. تمر الشهور بعد الشهور والأعوام بعد الأعوام ونحن في سبات غافلون. ومهما عشت يا ابن آدم فإلى الثمانين أو التسعين. وهبك بلغت المئتين. فما أقصرها من مدة وما أقله من عمر. قيل لنوح عليه الصلاة والسلام، وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً: كيف رأيت هذه الدنيا؟ فقال: كداخل من باب وخارج من آخر، فاتقوا الله أيها الناس. وتَبَصّروا في هذه الأيام والليالي، فإنها مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة حتى تنتهوا إلى آخر سفركم. وكل يوم يمر بكم فإنه يبعدكم عن الدنيا ويقربكم من الآخرة.
فطوبى لعبد اغتنم هذه الأيام بما يقرّبه إلى الله. طوبى لعبد شغلها بالطاعات.واتعظ بما فيها من العظات. تنقضي بها الأعمار (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [النور:44]
عباد الله: جمعتكم هذه هي آخر جمعة من هذا العام الهجري فبعد أيام قلائل سيطوى سجله عمله، فهنيئاً لمن أحسن فيه واستقام. وويل لمن أساء وارتكب الإجرام. هلم نتساءل عن هذا العام كيف قضيناه؟ ولنفتش كتاب أعمالنا كيف أمليناه. فإن كان خيراً حمدنا الله وشكرناه. وإن كان شراً تبنا إلى الله واستغفرناه.
كم يتمنى المرء تمام شهره. وهو يعلم أن ذلك يَنْقصُ من عمره. وأنها مراحل يقطعها من سفره. وصفات يطويها من دفتره. وخطوات يمشيها إلى قبره. فهل يفرح بذلك إلا من استعد للقدوم على ربه بامتثال أمره.
عباد الله: ألم تروا إلى هذه الشمس كل يوم تطلع وتغرب. ففي طلوعها ثم غروبها إيذان بأن هذه الدنيا ليست بدار قرار. وإنما هي طلوع ثم غروب.
ألم تروا إلى هذه الأعوام تتجدد عاماً بعد عام. فأنتم تودعون عاماً شهياً عليكم وتستقبلون عاماً جديداً مقبلاً إليكم. فبماذا تودعون العام الماضي وتستقبلون العام الجديد.
فليقف كل منا مع نفسه محاسباً ماذا أسفت في عامي الماضي. فإن كان خيراً ازداد وإن يكن غير ذلك أقلع وأناب. فإنما تمحي السيئة الحسنة. قال –صلى الله عليه وسلم-: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" ليحاسب كل منا نفسه عن فرائض الإسلام وأدائها. عن حقوق المخلوقين والتخلص منها. عن أمواله التي جمعها من أين وجاءت وكيف ينفقها؟
أيها الناس: حاسبوا أنفسكم اليوم فأنتم أقدر العلاج منكم غداً؛ فإنكم لا تدرون ما يأتي به الغد.
حاسبوها في ختام عامكم وفي جميع أيامكم؛ فإنها خزائنكم التي تحفظ لكم أعمالكم، وعما قريب تفتح لكم فترون ما أودعتم فيها؛ روى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب فقال: "أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين: أجل مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لأخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم ومن الحياة قبل الموت".
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: "إنكم تغدون وتروحون إلى أجل غيّب عنكم عمله؛ فإن استطعتم أن لا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته: "أيها الناس حاسبوا أنفسكم قبل تحاسبوا. وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله. (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)".
عباد الله: لنتذكر بانقضاء العام انقضاء العمر، وبسرعة مرور الأيام قرب الموت، وبتغير الأحوال زوال الدنيا وحلول الآخرة؛ فكم ولد في هذا العام من مولود، وكم مات فيه من حي، وكم استغنى فيه من فقير، وافتقر من غني، وكم عز فيه من ذليل، وذل فيه من عزيز؟ (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران:27]
أيها المسلم: راجع نفسك على أي شيء تطوي صحائف هذا العام؟؛ فلعله لم يبق من عمرك إلا ساعات أو أيام. فاستدرك عمراً قد أضعت أوله؛ فإن عمر المؤمن لا قيمة له قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" هكذا أوصانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم باغتنام هذه الخمس قبل حلول أضدادها؛ ففي الشباب قوة وعزيمة، فإذا هرم الإنسان وشاب ضعفت قوته وفترت عزيمته. وفي الصحة نشاط وانبساط؛ فإذا مرض الإنسان انحط نشاطه وضاقت نفسه وثقلت عليه الأعمال. وفي الغنى راحة وفراغ فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب العيش لنفسه ولعياله. وفي الحياة ميدان فسيح لصالح الأعمال، فإذا "مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له".
فاتقوا الله -عباد الله-، واستدركوا ما فات بالتوبة، واستقبلوا ما بقي بالعمل الصالح. فإن إقامتكم في هذه الدنيا محدودة وأيامكم معدودة وأعمالكم مشهودة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).[الإسراء 12: 15]