أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
الأمل والأجل بين عامين
التصنيف الموضوعي :مناسبات

 

الأمل والأجل بين عامين


 
الحمد لله رب العالمين يكور الليل على النهار، ويكور النهار على الليل، فالق الإصباح وجعل الليل سكناً، والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم. 
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقدر الأعمار، ويعاقب الأيام، وبقدرته تتعاقب الأعوام، وتفنى أجيال وتخلفها أجيال أخرى وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله حل في هذه الدنيا ثم ارتحل، ولو قدر لأحد الخلود فيها لكان المصطفى حياً مخلداً، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أما بعد: فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله ومراقبته، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران:5].
وقال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر:19].
واحذروا معاشر المسلمين أن تطغى مراقبتكم لخلق الله على مراقبة الله فتكونوا ممن قال الله فيهم: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) [النساء:108].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب:70-71].
أيها المسلمون: حري بكم أن تقفوا مع أنفسكم محاسبين على الدوام، وأن يزيد في تذكركم ومحاسبتكم لأنفسكم انصرام عام ومجيء عام.
كم نلهوا ونغفل، وكم نعظم من أمر الدنيا ما هو أحقر وأذل، وكم نزهد في عمل الآخرة وهي أكرم وأبقى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً.
عباد الله: كتب الحسن البصري يرحمه الله إلى عمر بن عبد العزيز يرحمه الله، يدعوه للتفكر، ويذكره بحقيقة الدنيا وحقارتها ويحذره من الاغترار بها.
ومما قاله: اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيراً يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزاً، واحتمال المؤونة المنقطعة التي تعقبها الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقبها مؤونة باقية، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة، التي غرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها.. إلى أن يقول: فاحذرها فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر، إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة. وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية.. فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلاً، ولم يأمر فيها بزهد، لكانت الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ، فمالها عند الله عز وجل قدر.. ثم يقول مشخصاً أيام الدنيا: وإنما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام: يوم مضى لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغي لك أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا، ولا تدري لعلك تموت قبله، فأما أمس فحكيم مؤدب، وأما اليوم فصديق مودع، غير أن أمس -وإن كان قد فجعك بنفسه- فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلف منه، وقد كان عنك طويل الغيبة، وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغداً أيضاً في يديك فيه أمله، فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل قبل حلول الأجل.. ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهم يومك غير أن الأمل منك في الغد دعاك إلى التفريط ودعاك للمزيد في الطلب…".
إخوة الإسلام: تعيشون هذه الأيام نهاية عام مضى بما فيه، أفلح العاملون السائرون إلى الله.. وخاب وخسر المبطلون، عام مضى بأحزانه وأفراحه، وسرائه وضرائه.. عد بذاكرتك قليلاً إلى ما مضى، وانظر ما قدمت فيه من عمل صالح فاشكر الله عليه، واسأله القبول وما عملت من سوء فتأسف واندم عليه فقد قيل: إن الندم توبة. واختم ما بقي من العام بالاستغفار، والتوبة النصوح، واعمل صالحاً تختم به العام المنصرم.
أما عامك الجديد فاستقبله بالعزيمة الصادقة على عمل الصالحات، واستفد مما مضى عبرة لما تستقبل، فما الدنيا إلا ساعة بين ساعتين، ساعة ماضية، وساعة آتية، وساعة أنت فيها، فأما الماضية والباقية فليس تجد لراحتهما لذة ولا لبلائهما ألماً، وإنما الدنيا ساعة أنت فيها، فخدعتك تلك الساعة عن الجنة وصيرتك إلى النار، وإنما اليوم إن عقت ضيف نزل بك وهو مرتحل عنك، فإن أحسنت نزله وقراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه جال في عينيك، وهما يومان بمنزلة الأخوين نزل بك أحدهما فأسأت إليه ولم تحسن قراه فيما بينك وبينه، فجاءك الآخر بعده فقال: إني قد جئتك بعد أخي فإن إحسانك إلي يمحو إساءتك إليه ويغفر لك ما صنعت، فدونك إذ نزلت بك وجئتك بعد أخي المرتحل عنك، فلقد ظفرت بخلف منه إن عقلت، فدارك ما قد أضعت، وإن ألحقت الآخر بالأول فما أخلقك أن تهلك لشهادتهما عليك.
يا أخا الإسلام: مجرد التحسر على ماض مطية الكسالى والعاجزين. والهمة والعزيمة على العمل في الحاضر والمستقبل سيما أهل الجد والصدق واليقين.. ودونك تشخيص العارفين بما بقي من العمر وقيمته.. فقد قالوا: إن الذي بقي من العمر لا ثمن له ولا عدل، فلو جمعت الدنيا كلها ما عدلت يوماً بقي من عمر صاحبه، فلا تبع اليوم ولا تعدله من الدنيا بغير ثمنه، ولا يكونن المقبور أعظم تعظيماً لما في يديك منك وهو لك فلعمري لو أن مدفوناً في قبره قيل له: هذه الدنيا أولها إلى آخرها تجعلها لولدك من بعدك يتنعمون فيها من ورائك فقد كنت وليس لك هم غيرهم، أحب إلي أم يوم تترك فيه تعمل لنفسك لاختار ذلك.
يا عبد الله: اتعظ بمن مات، واستدرك ما فات وإياك وغرور الأماني، وأن توافيك المنية على غير أهبة واستعداد، جد في السير إلى مولاك، ولا يكن همك الدنيا وحطامها.. ودونك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فاعتبره إذ يقول: "ما طلعت الشمس قط إلا وبجنبتيها ملكان يناديان، يسمعان من على الأرض غير الثقلين: أيها الناس هلموا إلى ربكم، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى".
ودونك أنموذجاً في القناعة والزهد:
كتب سليمان بن عبدالملك إلى أبي حازم: ارفع إلى حاجتك قال: هيهات، رفعت حاجتي إلى من لا يختزن الحوائج فما أعطاني منها قنعت، وما أمسك عني منها رضيت". 
وقال أبو واقد الليثي: تابعنا الأعمال، نقول أيها أفضل؟ فلم نجد شيئاً أبلغ في طلب الآخرة بزهادة في الدنيا.
يا أخا الإيمان احرص على أن يكون لك في كل عمل خير سهم نافذ فما أجمل أن تروض النفس على عمل الخير فيصبح لها سجية وطبعاً، ومن دوام على شيء ألفه وسهل عليه القيام به.
وهذا سفيان الثوري يقول: ما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط إلا عملت به ولو مرة" وهذا منه محمول على فضائل الأعمال.. وهو منه أيضاً تأكيد على العمل بسنة محمد صلى الله عليه وسلم وشدة العناية بها، أكثر من العمل، وأقلل من الذنوب.. ففي ذلك سلامة لا يعدلها شيء، وفي الزهد لابن المبارك عن ابن عباس رضي الله عنهما بسند صحيح أنه سئل: رجل قليل العمل قليل الذنوب أعجب إليك، أو رجل كثير العمل كثير الذنوب؟ قال لا أعدل بالسلامة شيئاً.

 
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
عباد الله: على مشارف عام ينتهي، وإطلالة عام يبتدي وقفة وعبرة.
فنهاية عام يعني أن الله متع ابن آدم فيه ما يزيد على ثمانية آلاف وخمسمائة ساعة، وكم في هذه الساعات من نبضات قلب ما كان له أن يعيش لو أن الله أوقفها لحظة من الزمن وكم صعد خلالها النفس وما كان له أن يعيش لو كتمه الله لحظة من الزمن.
عام يمضي يعني توفير نعم كثيرة لهذا الكائن الحي، وتسخير وجودات كثيرة في هذا الكون لهذا الإنسان – قد يعلم بعضها ويجهل أكثرها.
عام يمضي يعني امتلاء السجلات بما كسبت يداك وسطره الكرام الكاتبون، وغداً سيكشف عن المخبوء، وتبلى السرائر، فأعد للسؤال جواباً، وللجواب صواباً، عام يمضي يعني سقوط ورقة من أوراق الشجرة ذات الأوراق المحددة، وبها يتناقص الموجود، ويزداد الذابل المفقود، ولربما كانت الورقة ما قبل الأخيرة أو كان بعدها أوراق أخرى (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [فاطر:11].
عام يمضي يعني قربك من الآخرة وبعدك عن الدنيا (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) [لأعراف:34].
وعام يستجد، وأنت فيه في عداد الأحياء يعني أن الفرصة بيدك لتدارك ما فاتك، وإبدال السيئات بالحسنات، والله في غناه عنك وعن غيرك أشد فرحاً بتوبتك منك إذا أضعت راحلتك في أرض فلاة وعليها زادك ومتاعك وحين أيست منها استسلمت للموت، فلما كنت كذلك إذا بها على رأسك وعليها ما ينقذك، فسبق لسانك وقلت من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.. أخطأت من شدة الفرح.
يا أخا الإسلام وحين تذكر بهذا فلا يطل أمدك، ولا تنس مفاجأة الموت لك. وأنت ترى وتسمع بين كل حين وآخر مفاجأة لفلان، ومصيبة جماعية لآل فلان، ولربما قلت من هول الصدمة وحداثة المفاجأة.. أمات فلان حقاً؟ نعم لقد مات.. وستموت أنت.. ومن وراؤك (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) [الرعد: 38].
وهنا وقفة أذكر بها، وأشاطر الجهات المسؤولة في التنبيه لمخاطرها، والحذر من التهور فيها.. إنها الحوادث المروعة التي باتت تحصد الأنفس حصداً، وينشأ عنها ترمل النساء، ويتم الأطفال، وتشتت الأسر بعد اجتماعها.. وهذه التي نحذر منها هي الناشئة عن تهور في القيادة، أو استهتار في أنظمة المرور المساعدة بإذن الله على السلامة.. وكيف هانت عليك نفسك فعرضتها للخطر بسبب سرعة جنونية كان لها عواقبها السيئة عليك وعلى أسرتك وعلى المجتمع من حولك.. ولئن هانت عليك نفسك.. أفيحق لك أن تستهتر بأرواح الآخرين وهل يعجبك أن تكون مصدر شقاء للآمنين؟
وإذا أردت أن تتصور الكارثة بإنصاف، فما موقفك من شخص تسبب في حادث مؤلم لأسرة قريبة منك وفيها رجال ونساء، وشيوخ وأطفال، وهذا جريح وهذا كسير، وذاك نزف من الدماء حتى فارق الحياة، ورابع فاضت روحه في الحال، وخامس عاش في غيبوبة أمد الحياة.. أو فترة طويلة أو قصيرة الزمن.. ولربما استيقظ يوم أن استيقظ وهو مشلول الأطراف أو بعضها كيف تكون نظرتك لمن تسبب في مصير هذه الأسرة فكانت كما ذكرت أو أقل أو أكثر؟ لا شك أنك ستلومنه وترسل عليه الدعوات، وهو في عينك شخص عابث مستهتر ولو أخذ رأيك في الحكم عليه لكان لك معه شأن آخر؟ أفلا تطبق هذه النظرة على نفسك يوم أن تتسبب في إلحاق الضرر بالآخرين؟
إخوة الإسلام.. لقد باتت حوادث المرور تشكل خطراً يلتهم الأسر.. ويفقد بسببها العالم، والرجل الفاضل والمرأة المربية، والشاب في ريعان الشباب، والطفل ببراءته ولم يسلم من آثارها وعوائدها الرجل المتعقل في قيادته..
وهذه وتلك استثارة همم المسؤولين، فعقدت لها الاجتماعات والندوات، وصدرت لأجلها ولا تزال تصدر التوصيات والمجتمع بأسره شريك في المسؤولية.. ولا بد من المساهمة لعلاج هذه الظواهر السيئة، ولو أن كلاً منا التزم بنفسه وحض أولاده على الالتزام بالأنظمة المرورية وقواعد السلامة.. لكان في ذلك نفع كبير.. كيف لا وفي شريعتنا الغراء حماية للنفس ورد للصائل، وأخذ على أيدي السفهاء، وتعاون على البر والتقوى، ومساهمة في النصح والتوجيه، وحفظ للطاقات، ونهي عن التسرع والإسراف، ورعاية لآداب الطريق إن من الذوق والمروءة أن تقدر مشاعر الآخرين، ومن الفظاظة والرعونة أن تعيش متبلد الإحساس، لا ترعى للآخرين حرمة، ولا تقدر لحراس الأمن مسؤولية..
ألا فليكن إسلامك وخلقك في المسجد وفي الطريق، مع أهلك وذويك ومع الناس أجمعين.. ساهم في السلامة بوعيك وحسن قيادتك، واعتب بما حصل لك أو لقرابتك في سبيل تأمين الأمن والحماية للآخرين.. وإذا كانت الآجال محدودة، والأنفاس معدودة فاتخاذ الأسباب المشروعة مطلب، واتقاء التهلكة بالنفس محرم، وبقدر ما تتمثل من أخلاق عالية بقدر ما تكون محبوباً عند الله وعند خلقه..