استدامة الطاعات
أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
كبار السنّ
التصنيف الموضوعي :فضائل الأعمال

 

كبار السنّ


إن الحمد لله ..
 
أما بعد: أيها المسلمون: الشيخوخة مرحلة من مراحل العمر، وحلقة من حلقات التاريخ وجزء لا يتجزأ من وجود كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية. فسنة الله في خلقه، أن يأتي الجيل بعد الجيل على امتداد عمر البشرية المديد، فيقدم الإنسان في حياته التضحيات، وقد يتعرض لمختلف ألوان الفاقة والحاجة، أو فتنة الغنى والثراء، أو آلام المرض والعجز، وخاصة إذا رُدّ إلى أرذل العمر.
 
فليس من الوفاء للأجيال السابقة من المسنين، أن يُهملوا أو يُتركوا فريسة للضعف والحاجة في آخر حياتهم، بعد أن قدموا لأمتهم ما بوسعهم. فمن الواجب رعايتُهم والعنايةُ بهم، عملاً بمبادئ ديننا الحنيف الذي حفظ للمسنين مكانتهم، وقدّر ذوي الشيبة في الإسلام، ودعا إلى إكرامهم وحمايتهم.
 
وفي هذا العصر تقف مسألة رعاية المسنين ضمن موضوعات الساعة التي يجب أن تسترعي اهتمام المسؤولين والمهتمين بقضايا الخدمة الاجتماعية، والدراسات النفسية.
 
هذا وإن تزايد أعداد المسنين في السنوات الأخيرة، يستوجب منا الاهتمام والدراسة المتأنية، حول ما سيُقدم لهم، وما يستفاد من إمكانياتهم.
 
ففي خبرة المسنين عندنا عبق الماضي وذُخر الحاضر، ومعاني التراحم والتعاطف، وابتغاء الأجر في خدمتهم، والتقرب إلى الله في البر بهم، خلافاً لأوضاع المسنين في المجتمعات الأخرى، التي تدعي الحضارة والتقدم.
 
وتبقى رعاية تلك الفئة من الآباء والأجداد، واجباً شرعياً، يتحتم علينا القيام به، ودَيْناً يجب أن نقوم بسداده والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
 
أيها المسلمون: الشيخوخة طور من أطوار الحياة، وظاهرة من ظواهرها، إذا بدأت فسوف تستمر وبطريقة غير ملحوظة، وهي لا تنظر إلى الوراء، ولا تعود إلى شباب. وهي ليست مرضاً، وإنما هي فترة يتغير فيها الإنسان تغيراً طبيعياً إلى صورة أخرى ليست بأفضل من سابقتها، لأن الصورة الجديدة يصاحبها ضمور في كثير من الأعضاء، وفقدان ملموس للقوة والحيوية، تزول معه ظواهر الفتوة والعنفوان، ثم تنتهي كما ينتهي كل شيء.
 
وقد سبقت تعاليم الإسلام الحنيف الأنظمة الحديثة لرعاية الشيخوخة، إذ يحظى الكبار في مجتمعنا الإسلامي غالباً، بمزيد من التقدير والرعاية والاحترام، ويدرك هذا كل من قارن وسط الأسرة الإسلامية، مع غيرها من الأوساط الغربية والشرقية غير المسلمة، حيث نجد أن كبار السنّ من المسلمين سعداء، إذا قورنوا مع نظرائهم من غير المسلمين، فأولئك يعيشون في غربة ووحدة وشقاء.
 
ولكن ظهور المتغيرات الاجتماعية، التي تشهدها المجتمعات المعاصرة، أوجدت بعض المظاهر السلبية في حياة الأسرة المسلمة، وفي بيئة المجتمع بشكل عام، مما أدى إلى وجود بعض المظاهر السلبية المؤسفة، من عدم المبالاة والإهمال لبعض المسنين، بل والزج بهم في مأوى العجزة، أو أحد المستشفيات تهرباً من خدمتهم. فرعاية تلك الفئة من الآباء والأجداد واجب علينا، فهم الذين ضحوا بعمرهم وصحتهم وفكرهم من أجل أن تظل عجلة الحياة سائرة نحو الأمام، وقد أصبح واجب رعايتهم ضرورة تحتمها القيم وتدعمها القوانين، وقبل ذلك كله يأمر به الشرع الحنيف.
 
والفروق الفردية لها دورها في حياة المسنين وعند غيرهم، وفي تاريخنا الزاهر نجد أن كثيراً من الشيوخ، يقصر نشاط كثير من شباب اليوم عنهم، وليس أدل على ذلك من مساهمتهم في الجهاد على ما فيه من مشاق وتضحيات، وفي دأبهم على التأليف ومجالس العلم، والقوة في العبادات وقد جاوزوا الثمانين أو المئة من أعمارهم. ففي تاريخ سلفنا الصالح نماذج رائعة من نشاط المسنين:
 
فالصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلاّ وهو في أخرى، ولزم الجهاد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن توفي في غزوة القسطنطينية سنة 52هـ. كان قد مرض وقائد الجيش يزيد بن معاوية، فأتاه يعوده، وقال: ما حاجتك؟! قال: حاجتي إذا أنا مت فاركب بي ما وجدت مساغاً في أرض العدو، فإذا لم تجد فادفني، ثم ارجع ففعل. قال الواقدي: مات أبو أيوب بأرض الروم سنة 52هـ، ودفن عند القسطنطينية.
 
والتابعي الجليل موسى بن نصير رحمه الله فتح الأندلس، هو ومولاه طارق بن زياد، وقسماً من جنوب فرنسا. ويذكر التاريخ له قولته وهو شيخ كبير: ما هُزمَت لي راية قط، ولا فُضَّ لي جَمع، ولا نُكب المسلمون معي نكبة منذ اقتحمت الأربعين، إلى أن شارفت الثمانين.
 
هذا ما يفعله الإسلام في النفوس، حين تمتزج مبادئ الدين مع نفوس معتنقيه، ورغم أن موسى بن نصير رحمه الله كان أعرج مسناً، توفي سنة 99هـ في المدينة النبوية وقد قارب الثمانين رحمه الله رحمة واسعة.
 
في حين كان حكيم الجاهلية وشاعرها زهير بن أبي سُلمى، يشكو من بلوغه سنّ الثمانين في قوله المشهور:
 
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش               ثمانين حولاً لا أبالك يسأم
 
إلا أن الإسلام يصنع العجائب، وليس ذلك بغريب على دين يدعو أتباعه إلى بذل الجهد والعمل والاجتهاد حتى الموت.
 
وفي تاريخنا القديم والحديث مسنون: استمروا في العطاء الغزير في كافة المجالات، رغم العمر المديد، وما ذلك إلا بسبب المكانة التي يحظى بها المسنون في المجتمعات الإسلامية:
 
فأبو القاسم البغوي: مات وقد استكمل مائة وثلاث سنين وشهراً واحداً. وكان طلاب العلم يسمعون عليه، حتى مات رحمه الله.
 
وعطاء بن أبي رباح: مفتي الحرم المكي، عاش تسعين سنة، كان رحمه الله بعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة وهو قائم، لا يزول منه شيء ولا يتحرك.
 
لقد حفظ هؤلاء الأئمة الأعلام جوارحهم، فحفظها الله لهم، كما نوه بذلك شيخ الإسلام القاضي أبو الطيب الطبري، وقد عَمّر أكثر من مائة سنة. قال عنه أبو اسحق الشيرازي في الطبقات: شيخنا وأستاذنا القاضي أبو الطيب، توفي عن مائة وسنتين، لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد ويحضر المواكب، إلى أن مات، ولم أر فيمن رأيت أكمل اجتهاداً وأشد تحقيقاً وأجود نظراً منه يرحمه الله. وقال القاضي ابن بكران الشامي: قلت للقاضي أبي الطيب، شيخنا وقد عُمّر: لقد مُتعت بجوارحك أيها الشيخ! قال: ولم؟! وما عصيت الله بواحدة منها قط.
 
وفي العصر الحديث: لم تقف الشيخوخة عائقاً أمام الأعمال العظام لدى كثير من علماء المسلمين وقادتهم. فالحاج أمين الحسيني: كان قد انصرف منذ الصغر لمحاربة المستعمر البريطاني، والمغتصب الصهيوني في فلسطين. وقاد حركة الإصلاح والجهاد طوال حياته، وتعاون مع حركة الشيخ عز الدين القسام الجهادية ودعمها، كما دعم جيش الجهاد المقدس بقيادة: عبدالقادر الحسيني. وأسس الهيئة العربية العليا، وحكومة عموم فلسطين، فطاردته بريطانيا، وعاش مشرداً متنقلاً من قطر إلى آخر فما وهن ولا ضعف، ولما حضرته الوفاة، أوصى بأن يدفن في القدس، وهو من أعيان أهلها، ولكن الصهاينة رفضوا ذلك. قالت عنه جريدة التايمز اللندنية عقب وفاته: مات عدو الصهيونية والإمبراطورية البريطانية. وانتهى بموته عهد يمتد أكثر من ستين سنة، لم يهدأ له فيه بال ولم يقر له قرار، ولم يضع فيه السلاح، ولم ينسحب فيه من ميدان الكفاح رحمه الله رحمة واسعة.
 
والشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله: كان يمضي يومه في التدريس والفتوى، وقد استوقفه أحد تلاميذه يسأله: يا شيخ! بلغت هذا السنّ، ونرى فيك نشاطاً، لا نجده في أحد منا نحن الشباب، فأنى لك هذا؟!. فأجاب بجواب عظيم، إذ قال: يا بُني إذا كانت الروح تعمل – أي بالطاعة و الذكر – فإن الجوارح لا تكل. رحمه الله رحمة واسعة.
 
ومن العلماء المعاصرين، من عمّر وترك من المؤلفات المفيدة والأثر الطيب، ما يذكرنا بسيرة علماء السلف، إمام المحدثين الشيخ ناصر الدين الألباني: قضى عمره في التأليف والتحقيق، وخدمة السنة المطهرة، والحديث النبوي الشريف، حتى توفاه الله عن عمر يناهز الثامنة والثمانين عاماً، وقد بلغت كتبه ما بين مطبوع مؤلف، أو كتاب محقق خرّج أحاديثه، ما ينوف عن 112 كتاباً بعضها يقع في عدة مجلدات، وكل ذلك تميز بفكر نيّر وعقل حصين، وذاكرة عجيبة، رحمه الله رحمة واسعة.
 
أيها المسلمون: وهذه نماذج يسيرة من جهود العلماء في القرن العشرين، وهم كثير، نود من ذلك أن يقتدي الشباب المعاصر بتلك الهمم العظيمة، فالإسلام يفجر الطاقات ويصنع العجائب لدى أتباعه صغاراً وكباراً، وفي كل عصر و مصر.
 
والمسنون إذا أتيحت لهم الفرصة، يحققون مساهمة ناشطة في مختلف مجالات الحياة ولا غرابة في ذلك، فقد نضجوا وأصبحت عقولهم متزنة، وتجاربهم ثرة غزيرة. ولقد عاش المسنون في مجتمعات إسلامية، في وفرة من العيش، حيث تتعدد مصادر الإنفاق في الشريعة الإسلامية ابتداء برعاية الأسرة وانتهاء برعاية الدولة المسلمة، ممثلة في الحاكم المسلم، ومسؤولية هذه الدولة عن تأمين العمل والحاجات الضرورية، مستفيدة من روافد الإنفاق المتعددة، كالهبات والوصايا المالية، ونظام الوقف وغيره حسبما كان شائعاً ومطبقاً في مجتمعاتنا المسلمة.
 
 
 
بارك الله ..
 
 

الخطبة الثانية :
 
الحمد لله ..
 
أما بعد: أيها المسلمون: إنَّ من الأخلاق النبيلة والخصال الكريمة التي دعا إليها الإسلام: مراعاة قدر كبار السنّ ومعرفة حقهم وحفظ واجبهم. فالإسلام أمر بإكرام المسنّ وتوقيره واحترامه وتقديره، ولاسيما عندما يصاحب كبر سنه ضعفه العام وحاجته إلى العناية البدنية والاجتماعية والنفسية، ولقد تكاثرت النصوص وتضافرت الأدلة في بيان تفضيل الكبير وتوقيره، والحث على القيام بحقه وتقديره: فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا” رواه أبو داود. وفي هذا وعيد لمن يهمل حق الكبير ويضيع الواجب نحوه بأنه ليس على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وغيرُ ملازم لطريقته. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ” رواه أبوداود. وعن أبي يحي الأنصاري رضي الله عنه قال: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَمَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ: “كَبِّرْ كَبِّرْ” وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا فَقَالَ: “تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟” وذكر تمام الحديث. رواه البخاري ومسلم. وقوله: “كَبِّرْ كَبِّرْ” معناه: يتكلم الأكبر. إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة والأدلة العديدة التي اشتملت عليها سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وهذه النصوص وما جاء في معناها تدعو المسلمين إلى احترام كبار السنّ من المسلمين، ومعرفة حق ذي الشيبة المسلم ولزوم الأدب معهم، وذلك باحترامهم وتوقيرهم ومعرفة قدرهم وحقوقهم، ومراعاة كبر سنهم وأعمارهم، وملاحظة ضعفهم ووهن أبدانهم، وتقدير مشاعرهم وأحاسيسهم، وتقديمهم في الكلام والطعام والدخول، ونحو ذلك من الآداب العظيمة والأخلاق الكريمة. ويتأكد الاحترام والتقدير عندما يكون كبير السنّ أباً أو جدًّا أو خالاً أو قريباً أو جاراً، وذلك لحق القرابة والصلة والجوار، وكما يدين المرء يدان، فمن راعى حقوق هؤلاء وحافظ على واجباتهم في شبابه وصحته ونشاطه، هيأ الله له في كبره من يرعى حقوقه.
 
أيها المسلمون: إن كبار السنّ وذوي الأعمار المديدة يعيشون مرحلة إقبال على الآخرة وإحساس بدنو الأجل أكثر من غيرهم، فالطاعة فيهم تزيد والخير فيهم يكثر والوقار عليهم يظهر. وعن عبد الله بن بُسْر رضي الله عنه: أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: “مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ” رواه الترمذي.
 
إن الواجب على الشباب أن يتقوا الله جل وعلا ويراقبوه بمراعاة حقوق هؤلاء الأمثال الأخيار والأفضال الأبرار، أهل الإحسان والطاعة والخير والعبادة، أهل الركوع والسجود والصيام والقيام، والتسبيح والتهليل والحمد والطاعة. وإن من المؤسف حقاً أن تُهدر حقوق هؤلاء في ظل طيش الشباب وغمرتهم في السهو والغفلة، فلا للآباء يحترمون، ولا للكبار يقدِّرون ويوقرون، ولا للقيام بحقوق هؤلاء يقومون ويرعون، بل ولا للوقوف بين يدي الله يراقبون، لاسيما وأن بعض سفهاء الشباب قد يرتكبون تجاه هؤلاء اعتداءات مشينة وتجاوزات عظيمة تُسفِر عن قلة الحياء وذهاب الخلق والمروءة ومفارقة القيم والأخلاق، فهم في غمرتهم ساهون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقَلب ينقلبون.
 
كبار السنّ: أحوج من أطفالنا إلى التدليل والاسترضاء والعاطفة والحنان والرفقة والرحمة والصبر والسهر والتضحية.
 
كبار السنّ: الكلمة التي كانت لا تريحهم حال قوتهم، الآن تجرحهم، والتي كانت تجرحهم الآن تذبحهم.
 
كبار السنّ: فقدوا الكثير من حيوية الشباب وعافية الجسد ورونق الشكل ومجد المنصب وضجيج الحياة وصخب الدنيا.
 
كبار السنّ: فقدوا والديهم وفقدوا كثيراً من رفقائهم، فقلوبهم جريحة ونفوسهم مطوية على كثير من الأحزان.
 
كبار السنّ: لم يعودوا محور البيوت وبؤرة العائلة كما كانوا قبل، فانتبه ولا تكن من الحمقى فتشقى.
 
كبار السنّ: قد يرقدون ولا ينامون، وقد يأكلون ولا يهضمون، وقد يضحكون ولا يفرحون، وقد يوارون دمعتهم تحت بسمتهم.
 
كبار السنّ: يؤلمهم بعدك عنهم، وانصرافك من جوارهم، واشتغالك بجوالك في حضرتهم.
 
كبار السنّ: يحتاجون من يسمع لحديثهم، ويَأنس لكلامهم، ويبدو سعيداً بوجودهم.
 
كبار السنّ: أولى من الأطفال بمراعاتهم، والحنوّ عليهم، والإحساس بهم.
 
كبار السنّ: حوائجهم أبعد من طعام وشراب وملبس ودواء، بل وأهم من ذلك بكثير، فهل من عاقل.
 
كبار السنّ: يحتاجون إلى بسمة في وجوههم، وكلمة جميلة تطرق آذانهم، ويداً حانية تمتد لأفواههم، وعقلاً لا يضيق برؤاهم.
 
كبار السنّ: يراوحون بين ذكريات ماضٍ ولى ويزداد بعداً، وبين آمال مستقبل آتٍ وقد لا يجيء، فلا يفوتُك تقدير هذا.
 
كبار السنّ: لديهم فراغ يحتاج عقلاء رحماء يملؤونه.
 
كبار السنّ: غادر بهم القطار محطة اللذة، وصاروا في صالة انتظار الرحيل ينتظرون الداعي ليلبوه.
 
كبار السنّ: قريبون من الله، دعاؤهم أقرب للقبول، فاغتنم قبل نفاد الرصيد.
 
كبار السنّ: هم الأب والأم والجد والجدة وسواهم من ذوي القرابات ممن شابت شعورهم ورقت مشاعرهم، اجعلهم يعيشون أياماً سعيدة، ولياليَ مشرقة، ويختمون كتاب حياتهم بصفحات ماتعة من البر والسعادة، حتى إذا خلا منهم المكان لا تصبح من النادمين.
 
هم كبار السنّ الآن، وسيذهبون، وعما قليل ستكون أنت هذا الكبير المسنّ، فانظر ما أنت صانع وما أنت زارع!. كنِ العوض عما فَقدوا، وكن الربيع في خريف عمرهم، وكن العُكّاز فيما تبقى.
 
سلام على كبار السنّ، وسلام على من يراعون كبار السنّ، وسلام على من سيصير من كبار السنّ وقد أكرم كبار السنّ.