استدامة الطاعات
أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
آداب الاختلاف

 

 

آداب الاختلاف


 
الخطبة الأولى:
 
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو العظمة والملكوت والعزة والجبروت، الحي لا إله إلا هو لا يموت.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، بعثه ربه بين يدي الساعة، هادياً، ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه، كما وحد الله، وعرف به، ودعا إليه، اللهم وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع هديه بإحسان إلى يوم الدين.
 
أما بعد:
 
عباد الله: فقد روى الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه من حديث أبي الدَّرداء -رضي الله عنه-: ونحن عند النبي -صلى الله عليه وسلم-: أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "أما صاحبكم فقد غامر"، فسلَّم، وقال: يا رسول الله! إنِّي كان بيني وبين ابن الخطَّاب شيء، فأسرعت إليه، ثمَّ ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فأقبلت إليك؟ فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر "ثلاثًا" ثمَّ إنَّ عمر ندم على ما كان منه، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثمَّ أبا بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فجعل وجه النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يتمعَّر؛ حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم، قالها "مرتين" فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟" قالها "مرتين" قال أبو الدرداء: "فما أوذي بعدها" يعني أبا بكر -رضي الله عنه-.
 
أيها المؤمنون: النفس البشرية بعيدة الأغوار، والله -جل وعلا- خلقها فألهمها فجورها وتقواها، ينتابها حالة الرضا والغضب، كما ينتابها في أبدانها الصحة والمرض، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قطعاً كانوا شامة في جبين الأيام، وتاجاً في مفرق الأعوام، لكن ذلك لا يخرجهم أبداً عن كونهم بشراً -رضوان الله تعالى عليه-.
 
لكنهم بشر أثنى الله عليهم في التنزيل، كما أثنى عليهم من قبل في التوراة والإنجيل، وأبو بكر وعمر هما سادة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك يبقيان من البشر يصيبهم ما يصيب البشر جميعاً.
 
هذا أبو الدرداء أحد أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، يخبر ذات يوم: أنه كان مع ثلة من الصحابة، في مجلس نبي الرحمة، ورسول الهدى -عليه السلام-، إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه، وهذه ليست مشية أبي بكر المعهودة، ولا هيئته المعروفة، فقبل أن يتكلم، ويخبر عما في صدره، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما صاحبكم فقد غامر" أي لابس خصومة، ودخل في معتركها، إذ هذه ليست هيئته!.
 
فلما سلم الصديق، قال: يا رسول الله: "إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء" أي بيني وبين عمر، "فأسرعت إليه" أي بادرته بما يسوؤه "ثم إني طلبت منه" بعد أن وقعت مني الإساءة "أن يغفر لي" أي يعفو عني "فأبى ثلاثاً" أي أن عمر لم يقبل اعتذار  أبي بكر "فأقبلت إليك" يخاطب الصديق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي مستشفعاً "أن تجعل عمر يقبل عذري، ويحللني من ذنبي".
 
على الجانب الآخر، ندم الفاروق -رضي الله عنه- أنه لم يقبل عذر أبي بكر، فحتى يزيل ما في النفوس عمد إلى بيت أبي بكر يسترضيه، ويسأل عنه، فلما أتى الدار، قال: "أثم أبو بكر؟" أي ها هنا أبو بكر؟ قالوا: "لا" فغلب على ظنه أن أبا بكر أتى مجلس رسول الله -صلى الله عليه سلم- فقدم إليه، فلما دخل عمر وسلم، وأراد أن يخبر تمعر وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
 
والمعنى: ذهبت أو كادت تذهب نضارة وجهه من شدة الغضب -عليه الصلاة والسلام-.
 
فعل ذلك نصرة لأبي بكر؛ لأن أبا بكر، لما قال: فأقبلت إليك، قال عليه الصلاة والسلام: "يغفر الله لك يا أبا بكر" قالها ثلاثاً، فلما جاء عمر تمعر وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فخاف الصديق -رضي الله عنه- أن يصيبه، أن يناله شيء من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجثا على ركبتيه، رحمة لعمر، وأخذ يقول: "يا رسول الله والله أنا كنت أظلم" حتى لا يقع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عمر.
 
ومع ذلك لم يقل -صلى الله عليه وسلم- لعمر دعوة عليه، أو ما أشبه ذلك من العتاب واللوم، لكنه أدب الصحابة جميعا بطريق آخر، فذكرهم -صلى الله عليه وسلم- بسالف الأيام، فقال: "إن الله بعثني إليكم" أي معشر العرب قاطبة: "فقلتم" أي في أول الأمر: "كذبت، وقال أبوبكر: صدقت".
 
وهذه سابقة لا تدرك، وفضيلة لا تلحق، إذ كان رضي الله تعالى عليه قد آمن من غير تردد أبداً، ثم قال: "وواساني بنفسه وماله" وتلك خصيصة أخرى، وفضيلة تثنى على الأولى، فقال بعده عليه الصلاة والسلام: "فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟".
 
ولا ريب أنهم كلهم أصحابه، لكن صحبة أبي بكر ليست كصحبة غيره، ومنزلة أبي بكر ليست كمنزلة غيره: "فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟" قال أبو الدرداء: "فما أوذي بعدها" أي لا يتجرأ أحد بعدها أن يعاتب أبا بكر في قول أو فعل.
 
أيها المؤمنون: إن أعظم ما يمكن أن يستسقى من هذا الخبر الصادق، كيف أن النفوس لها أشياء تجبل عليها، لكن الكرام الأتقياء الأنقياء الأصفياء، إذا حادوا عن الطريق يسيرة، أو فعلوا خلاف الأولى، كما فعل أبو بكر هنا، عادوا إلى سواء السبيل، قال الله عنهم في سورة الأعراف: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف:201].
 
فالعصمة ليست إلا للأنبياء فقط وسواهم، أي كانوا يقع منهم الذلل والخطأ وفي حق الأفاضل الكبار يقع الخلاف الأولى، لكنهم لا يثبتون عليه، يعلمون عظمة ربهم وجلاله، وما له -جل وعلا- من العظمة والملكوت، والحق والسلطان، فيفيؤون أسرع ما يفيؤون إليه جل وعلا، يستغفرونه.
 
التحلل من المظالم من أعظم صفات عباد الله المتقين، فهذا أبو بكر لما لم يقبل عمر عذره في الأول خاف على نفسه يوم الوعيد، فأقبل وهو سيد أهل الوقار، أقبل خوفاً من تلك المظلمة التي تلبس بها، أقبل على مجلس رسول الله، آخذاً بطرف ثوبه، يريد أول الأمر أن يتحلل من الذنب، وألا تبقى هذه المظلمة إلى يوم القيامة، وأن يخرج من الدنيا، ولم يؤذ أحداً، فأخذ بطرف ثوبه، وأقبل يستشفع برسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عمر، لعل عمر أن يقبل عذره.
 
وعلى الجانب الآخر ترى فضيلة الفاروق رضوان الله تعالى عليه، ففي أول الأمر غلبته المشاحة، وآثر حقه، ولم يقبل عذر الصديق، ثم لما فارقه صاحبه؛ فآءت إليه نفسه الشريفة العظيمة؛ فذهب إلى منزل أبي بكر يريد أن يسترضيه؛ لأنه لم يقبل عذره في الأول، حتى كان ما كان، مما مر معنا في هذا الخبر الصادق، وصدق الله: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) [الفتح: 29].
 
يدل الحديث على أن الرجل مهما علا فضله، قد يقع منه ما لا يقبل، لكن ذلك لا يقدح من منزلته، ولا في جلالة قدره، وينبغي أن يعرف لأهل الفضل فضلهم، وألا تتلمس عثراتهم، ولا يشاع في الناس ما يكون منهم أحياناً من نقص، وما يعتريهم من زلل، وإنما يشاد بمحاسنهم، ويذكر في الناس فضلهم.
 
كما أن الإنسان إذا أدرك هذا، عرف أن هذا وقع في خير الأزمنة من خير البشر -رضوان الله تعالى عليهم-، بعد الأنبياء، فعلى هذا يقبل الإنسان عذر أخيه، ولا يحمل النفوس ما لا تحتمل، ولا يتمادى في العتاب، ولا يصر على القطيعة والهجر، فالدنيا أحقر من أن يتقاتل الناس عليها؛ إلا في حق أمر الله -جل وعلا- به، أما ما سوى ذلك: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10].
 
وفي الأحاديث ما تواتر عنه صلى الله عنه وسلم من دعوة المؤمنين إلى التراحم، وإلى ترك الشحناء والحسد والبغضاء، وأن يكونوا أمة واحدة، ومن لا يرحم لا يرحم: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
 
جعلني الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، فيتبع أحسنه.
 
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 

الخطبة الثانية:
 
الحمد لله على فضله، والصلاة والسلام على أشرف رسله، وخير خلقه.
 
وبعد:
 
عباد الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، وخشيته -تبارك وتعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ  * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج:1 – 2].
 
سابق أبو بكر بتلك الخطوات؛ ليرفع عن نفسه خطيئة وقعت له مع صحابي جليل مثله، فكيف ينبغي علينا أن نسارع في الذنوب التي نحتملها والخطايا التي نقترفها مع ربنا -جل جلاله-؟
 
إن من أعظم العلم: أن يسعى الإنسان إلى كل عمل يمحوا الله به الخطايا، ويغفر الله -جل وعلا- به الذنوب، وأن يقرن ذلك بالإخلاص والتوبة إلى علام الغيوب، وقد قيل: "كل الناس هلكى إلا العالمون، وكل العالمين هلكى، إلا العاملين، وكل العاملين هلكى إلا المخلصين، وكل المخلصين على وجل".
 
ومع ذلك، فإنه قد جاء في الشرع ما يدل على ما يمحو الله -جل وعلا- به الذنوب والخطايا، الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة، والصدقة تطفئ غضب الرب، كثرة الخطى إلى المساجد، بر الوالدين، الإحسان إلى اليتامى، إطعام الطعام، كف الأذى عن الناس، كثرة التسبيح، وجُل ذلك في الاستغفار.
 
وفي الخبر الصحيح: "من قال: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه" غفر الله له ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر" إذا قالها سبع مرات.
 
ولا ريب أن الاستغفار من أعظم الدلائل على حرص العبد على أن يغفر له ربه.
 
هذا، وصلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].
 
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك اللهم على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن أصحاب نبيك أجمعين.