استدامة الطاعات
أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
الفساد في المال
التصنيف الموضوعي :إعلام وقضايا معاصرة

 

 الفساد في المال


 
الخطبة الأولى:
 
الحمدُ لله أنعَمَ علينا بالأموالِ، وفَّق من شاءَ لِكَسْبِها بالحلالِ، وحذَّرَنا من الفَسَادِ والحَرَامِ, وجَعَلَ عاقِبَتَهُ المَحقَ والنَّكالَ, نشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له ذو العظمةِ والجلالِ, ونشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه المبعوثُ بأكملِ الشَّرائعِ وأعدَلِ الْخِصَالِ, -صلَّى  اللهُ  وسلَّم-  وباركَ عليه وعلى آلهِ وأصحابِهِ وَمَنْ تَبِعَهم بِإحسَانٍ وإيمانٍ إلى يومٍ الْمآل، أمَّا بعدُ:
 
فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ في أنفسِكم وأعمالِكم وأموالِكم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة: 168].
 
عبادَ اللهِ: المَالُ زينةُ الحَيَاةِ الدُّنيا، والإسلامُ لا يمنعُ طَلَبَهُ عن طريقِ طِيبِهِ وحِلِّهِ، والمَالُ لا يطلبُ لذاتِهِ؛ فهو وَسِيلَةٌ لا غَايَةٌ، قَالَ اللهُ -سُبحانهُ-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة:172]؛ فَمَا أَسْعَدَ مَنْ عَمِلَ طيِّباً وَكَسَبَ طيِّباً! وَمَا أَتْعَسَ وأَشقَى مَنْ كَسَبَهُ مِن الحَرامِ! فإنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: 100]؛ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليكَ وَسَلَّمَ- حِينَ قُلْتَ: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلالِ أَمْ مِنْ الحَرامِ“؛ فَكَيفَ سَيُواجِهُونَ اللهَ تَعَالىَ مَنْ يَستَدِينُونَ ولا يُوفُونَ! ويَسْرِقُونَ ويَغُشُّونَ! مَنْ يَستَعمِلُونَ الأَيمَانَ الفَاجِرَةَ! ليُنَفِّقُوا السِّلَعَ وَيُغَرِّروا بالمُشتَرِينَ! كَيفَ سَيُواجِهُونَ اللهَ مَنْ يَتَخَوَّضُونَ بِالحَرَامِ, وَيُزَوِّرُونَ فِي العُقُودِ وَرَسُولُنا قَالَ: “يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتِ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ“.
 
عبادَ اللهِ: رَسُولُ اللهِ قالَ: “وَاللهِ مَا الفَقْرَ أخْشَى عَلَيْكُمْ، ولكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَط الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَتْهُمْ“، ومَنْ يتَأمَّلُ الحديثَ يَرَى بأُمِّ عَينِهِ كَيفَ تَهَافَتَ كَثِيرٌ مِن إخوانِنَا الدُّنْيا, وَتَقَحَّمُوا الحَرَامَ, وَتجرأوا على الأَمْوالِ العَامَّةِ! فَتُدْرِكُ يَقِينَاً أنَّ رَسُولَنا لا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى! حينَ قَالَ: “وتُهلِكَكُم كَمَا أهْلَكَتْهُمْ“، كَفَاهُم خِزْيَاً وَعَارَاً, أنَّهُمْ اُتِّهِمُوا على رُؤوسِ الأشْهَادِ! حَالُ الفَاسِدِينَ بِالأمْوالِ كَحَالِ المُرَابِينَ, أَعْلَنُوا حَرْبَهم على اللهِ! فَهُم كالمَجَانِينَ بِجَمْعِ المَالِ مِن غيرِ حِلِّهِ؛ فَكَانَ جَزَاؤُهُمْ أنَّهم يَقُومُونَ يومَ القِيامَةِ كالمَصرُوعِ الذي بِه مَسٌّ مِن الجنِّ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة: 275]
 
ألَمْ  يَسْتَمِعَ هؤلاءِ لِقَولِهِ تَعَالَى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [البقرة: 276]؛ لَقَدْ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ بِذَهابِ بَرَكَةِ أَموالِهم ذَاتَاً وَوصفْا، إنْ أَنفَقُوا مِنْهَا لَمْ يُؤجَروا عليهِ وإنْ ادَّخَرُوهَا صارَتْ حَسْرَةً عليهم، بَلْ زَادَا لهم إلى النَّارِ وَبِئسَ القَرارِ! وتأمَّلوا يا رعاكُمُ الله: كيف ختمَ اللهُ الآيةَ بقولِهِ: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) ؟.
 
فالمُرابُونَ, والفَاسِدُونَ المُفْسِدُونَ, لا يُحِبُّهمُ اللهُ ولا يُوَفِّقُهم لأنَّهم فَجَرُوا بِأَكلِ المَالِ واستِحلالِهِ, وتَسوِيغِهِ لِمَنْ حَولَهُمْ، قَالَ الشَّيخُ السَّعدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ, لِنِعَمِ اللهِ عليهِ، لا يُؤدِيَ مَا أَوْجَبَ اللهُ عَليهِ مِن الصَّدَقَاتِ، ولا يَسْلَمُ مِنْ شَرِّهِ عِبَادُ اللهِ, فَهُوَ أَثِيمٌ أَي: قَدْ فَعَلَ مَا هُوَ سَبَبٌ لِإثْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ“!.
 
فاللهمَّ أرنا الحقَّ حَقَّا وارزقنا اتِّباعَهُ وأرنا البَاطِلَ باطِلا وارزقنا اجتنابهُ. وأغننا بحلالكَ عن حرامِكَ وبفضلِكَ عمَّن سواكَ واستغفرُ اللهَ لي ولكم ولِسائِر المُسلمين من كلِّ ذنَّبٍ فاستغفروهُ وتُوبوا إليهِ إنَّ ربَّي غفورٌ رحيمٌ.
 

الخطبةُ الثانية:
 
الحمدُ لله الذي أغنانا بِحلالهِ عن حرامِهِ، وبِفضلِهِ عمَّن سِواهُ, نشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لهَ لا رَبَّ لنا إلاَّ إيَّاهُ، ونشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه ومُصطَفَاهُ، الَّلهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابِهِ ومَنْ اهتدى بِهداهُ، أمَّا بعد:
 
فأوصيكم عبادَ الله: ونفسي بتقوى اللهِ؛ فَكَمْ خَصَّكم بِنِعمَةٍ؟! وأَزَالَ عنكُم مِنْ نِقْمَةٍ؟! وَتَدَارَكَكُم بِرَحْمَةٍ، ثُمَّ اعلموا أنَّ قيمةَ المُسلمِ ليست بِكثرةِ أموالِهِ وأرزاقِهِ!؛ فإِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ؛ وليسَ للإنْسَانِ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا أَكَلَ فَأَفنَى، أو لَبِسَ فَأبلَى، أو تَصَدَّقَ فأمضى وأبقى! حَقَّاً لقد جَعَلَ اللهُ المالَ فتنةً لنا كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [التغابن: 15]، والمَالُ النَّافِعُ ما نُقَدِّمُهُ لأنفسِنا ذُخْرًا عِندَ ربِّنا، وفي الحديث قَالَ رسولُ الله: “أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ قالوا: يَا رسولَ اللهِ، مَا مِنَّا أحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: فإنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ“.
 
أيُّها المُؤمنونَ: وممَّا خَطَبَهُ شيخُنا بنُ العُثيمينَ -رحمهُ اللهُ- قَولُهُ: “الأموالُ فِتنَةٌ في تَحصِيلِها، فِتنَةٌ في تَصرِيفِها، وأَسعَدُ النَّاسِ مَنْ اكتَسَبَها مِن طُرُقِها المَشرُوعَةِ، وأَشقَاهم مَن اكتَسَبَها على غَيرِ الوَجهِ الشَّرعِيِّ؛ فصاروا يجتَرِئُونَ على الحَرَامِ ويَأكُلُونَه, لا يُبَالُونَ مِن أينَ أَخَذُوهُ أَمِنَ حَلالٍ أمْ مِن حَرَامٍ؟ فالحَلالُ مَا حَلَّ بِأيديهم والطَّريقَةُ المُبَاحَةُ لِلكسبِ مَا أمْلتُه عليه أهواؤهُم وَشَهَواتُهُم!”.
 
فاتَّقوا اللهَ يا مُسلِمونَ وَحَلِّلُوا مَكَاسِبَكُم واجعَلُوها غَنِيمَةً لَكم تُعينُكم على طَاعَةِ اللهِ ولا تَجعلوها غُرْمَاً عَليكم فَتَفقِدوا بَرَكَتَها وتَستَحِقُّوا عُقُوبَةَ اللهِ عليها.
 
عبادَ اللهِ: ألَمْ تَرَوا مَا أَحَلَّ اللهُ بِأهْلِ الفَسَادِ والنَّصْبِ والاحتِيالِ مِن الفَضِيحَةِ, والعَارِ, وَمَا يَنْتَظِرُ الفَاسِدِيَن إنْ لَمْ يَتُوبُوا لِرَبِّهِمْ وَيَرُدُّوا الحُقُوقَ لأهْلِها, مَا يَنْتَظِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ أشَدُّ وَأنْكَى! فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ؛ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،قَالَ: “إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ”
وَمَعْنَاهُ أنَّهُمْ يَخْلِطُونَ الحَرَامَ مَعَ الحَلالِ, وَيَخُوضُونَ فِي تَحْصِيلِ المَالِ مِنْ غَيرِ وَجْهِهِ الشَّرْعِيِّ, وَكَيفَمَا أَمْكَنَ, بِغَضِّ النَّظَرِ أمْنْ حِلالٍ أو حَرَامٍ!.
 
أيُّها الكِرَامُ: في ظِلِّ مَسرَحِيَّاتِ التَّلاعُبِ والتَّحَايُلِ والفَسَادِ التي تَتَكَشَّفُ كُلَّ حِينٍ, حينها تُبصِرُ بجلاءٍ أَنَّ هُنَاكَ مَسلَكًا وَاضِحًا, وَطَرِيقًا آمِنًا, بأنَّ تَتَّبِعَ قَولَ الرَسولِ الأكْرَمِ: “إنَّ الحلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُما أُمُورٌ مُشتَبِهَاتٌ لا يَعلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ استَبرَأ لِدِينِهِ وعِرضِهِ، وَمَن وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كالرَّاعِي يَرعَى حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أَن يَرتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ محارِمُهُ“.
 
ألا؛ فاتَّقوا اللهَ يا أهلَ الإسلامِ، واجتنِبُوا الحَرَامَ، واحذَروا الآثَامَ, ولن تزولَ قَدَمَا عبدٍ يومَ القِيامةِ حتى يُسألَ عن مالِهِ من أينَ اكتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ؛ فأكلُ الحرامِ يُعمي البصيرةَ، ويوقعُ في حبائِلِ الدُّنيا وغَوَائِلِها، و “قَدْ أفْلَحَ مَنْ أسْلَمَ، ورُزِقَ كَفَافاً، وقَنَّعَهُ الله بِمَا آتَاهُ”، (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد: 20].
 
فاللهم لا تجعل الدُّنيا أكبرَ هَمِّنا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولا إلى النَّار مَصِيرَنَا، وقَنِّعنا بما آتيتناَ, وبارك لنا فيما رَزَقْتَنَا.
 
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبَلُّغنا به جنَّتَكَ.
 
اللهم ألبسنا لباسَ التَّقوى، وألزمنا كلمة التقوى, وأدخلنا جنَّة المأوى, واجعلنا مِمَّن بَرَّ واتَّقى، وصدَّق بالحسنى فَيَسَّرتَهُ لليُسرى، وجَنَّبتَهُ العُسْرَى.
 
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدكَ ونبيِّك محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45].