أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
طلوع الشمس من مغربها
التصنيف الموضوعي :قضايا في الإعتقاد

 

طلوع الشمس من مغربها


 
الخطبة الأولى:
 
إنَّ الحمد لله؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله؛ فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسوله؛ -صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين-، أما بعد:
 
أيها المؤمنين عباد الله: اتقوا الله تعالى، وراقبوه -سبحانه-؛ مراقبة من يعلم أن ربَّه يسمعُه ويراه، وتقوى الله -جل وعلا – هي خير زادٍ يبلِّغ إلى رضوان الله.
 
أيها المؤمنون: إنَّ الشمس والقمر آيتان عظيمتان؛ تدلَّان على كمال خالقهما وعظيم موجدِهما، وأنَّ سيْرهما بانتظام وحسبان إنما هو بتقدير الملك الرب العلَّام، قال الله -عز وجل-: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)[إبراهيم:33].
 
وقال الله تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)[الرحمن:5].
 
وقال الله -سبحانه- وتعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى)[الزمر:5].
 
وقال الله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)[يس:38]، والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ فهما يتحركان بانتظام ويجريان بحُسبان وفق تدبير الرب وتسخيره جل في علاه؛ فهما آيتان دالتان على عظمته وكمال قدرته وكمال تسخيره -سبحانه-.
 
أيها المؤمنون: والشمس والقمر في ذلٍ وخضوع لله، يسبِّحان بحمد الله ويسجدان له -جل في علاه- خضوعًا وذلا، قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)[الحج:18].
 
أيها المؤمنون: والشمس تسير سيرها بانتظام وفي كل يوم تسجد لله سجودًا يخصُّها؛ فإن كل سجود مخلوقٍ بحسب ما يخصه، تسجد لله -جل وعلا- وتستأذن كل يوم في ذلك ويؤذن لها، إلى أن يأتي عليها يوم؛ فتستأذن فلا يؤذن لها، روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر حين غربت الشمس: “أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟” قُلْتُ: -رضي الله عنه-اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ-رضي الله عنه-، قَالَ: -رضي الله عنه-تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلاَ يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ؛ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ) [يس: 38].
 
أيها المؤمنون: نعم يفاجأ الناس يومًا بهذه الشمس التي تسير بحسبان وتتحرك بانتظام، يفاجأ الناس يومًا وإذا بها قد طلعت عليهم من مغربها، وهذا الطلوع -عباد الله- إيذانٌ بخراب الدنيا واختلالها وانقضائها ودنو قيام الساعة وقرب مجيئها، وهذا الطلوع للشمس من مغربها هو أول آيات الساعة العظام وأشراطها الجسام التي تكون بين يدي قيامها، ففي الصحيح عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-ما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: -رضي الله عنه-إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا؛ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا؛ فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا-رضي الله عنه-.
 
عباد الله: وعندما يرى الناس الشمس وقد فجأتهم بطلوعها من مغربها يهولهم هذا الأمر ويشتد عندهم الخطب ويؤمنون كلهم، لكنه إيمانٌ لا ينفع صاحبه ما لم يكن آمن قبل ظهور هذه الآية، إذ الإيمان حينئذ لا ينفع، ففي الصحيح عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: -رضي الله عنه-لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ؛ فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا-رضي الله عنه-، ولهذا؛ فإن الله -عز وجل- ذكر هذه الآية في القرآن في معرض تهديده جل في علاه لمن صدَف عن آيات الله وأعرض عن عبادته وطاعته -سبحانه-، قال في معرض التهديد لهؤلاء: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا)[الأنعام: 158].
 
ولهذا – عباد الله-؛ فإن الناصح الأمين -صلى الله عليه وسلم- نصح الأمة بالمبادرة إلى الأعمال والمسارعة إلى الطاعات قبل مجيء أوانٍ لا ينفع فيه العمل ولا تُقبل فيه التوبة؛ ففي صحيح مسلم عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: “بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ“.
 
والواجب -عباد الله- على المؤمن أن يكون ناصحًا لنفسه بالمبادرة إلى التوبة قبل فوات أوانها، وإصلاح نفسه بالعمل قبل حلول الحرمان ومجيء الخسران، وأن يكون ناظرًا لغدِه معتبرًا متعظا، كما قال الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)[الحشر:18].
 
نسأل الله -جل في علاه- أن يصلح أحوالنا أجمعين، وأن يرزقنا التوبة النصوح، وأن يهدينا لسديد الأقوال وصالح الأعمال، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين؛ إنه -تبارك وتعالى- سميع الدعاء وهو أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.
 

الخطبة الثانية:
الحمد لله كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ -صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- أمَّا بعد:
 
عباد الله: ما تقدَّم من خبر هو بيانٌ لحال الشمس والقمر في الدنيا، أما في الآخرة؛ فلهما حال آخر؛ وهو أن الشمس والقمر يكوَّران ويُلقى بهما في نار جهنم؛ ففي صحيح البخاري عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: “الشَّمْسُ وَالقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ“، زاد الإسماعيلي في مستخرجه “في النار“؛ أي: مكوَّران في النار،  وهذا الإلقاء لهما في النار ليس من أجل تعذيبهما وإنما هو تبكيت لمن عبَدَهما من دون الله -عز وجل-، أو أن ذلك من أجل أن يكونا وقودَين للنار؛ فإن وقود النار الناس والحجارة.
 
نسأل الله -عز وجل- أن يعيذنا من النار، وأن يجعلنا من الذين يزحزحون عن النار ويفوزون بالجنة دار النعيم واللذة والهناءة، اللهم أجرنا من النار، اللهم إنا نسألك الجنة يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
 
وصلُّوا وسلِّموا – رعاكم الله – على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:٥٦]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا“.
 
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.
 
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
 
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنَّة نبيك محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-.
 
اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم كُن لهم ناصرًا ومُعينا وحافظًا ومؤيِّدا. اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفِّق ولي أمرنا لهداك، اللهم سدِّده في أقواله وأعماله، اللهم وفِّقه وولي عهده لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال.
 
اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى. ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
 
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.