استدامة الطاعات
أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
ضعف الإيمان أسبابه وشيء من آثاره
التصنيف الموضوعي :الإيمان

 

ضعف الإيمان أسبابه وشيء من آثاره


 
الخطبة الأولى:
 
الحمد لله أمر عباده بطاعته, ونهاهم عن معصيته, ورتَّب على ذلك الجزاء يوم القيامة, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 
أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون, وأطيعوا ربكم تفلحوا وتفوزوا بجنةٍ عرضها السماوات والأرض, قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133]
 
معاشر المسلمين: إنَّ المؤمن يزيد إيمانه بفعل الطاعات وترك المعاصي, كما يضعف إيمانه بالتقصير في فعل الطاعات والوقوع في المحرمات, فالناس يتفاوتون في إيمانهم, منهم مؤمنٌ قويٌ, ومنهم مؤمنٌ ضعيفٌ وفي كلٍّ خير, والمؤمن القوي أحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف, قال -صلى الله عليه وسلم-: “الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ” (أخرجه مسلم 2664).
 
قال النووي -رحمه الله-: “الْمُرَادُ بِالْقُوَّةِ هُنَا عَزِيمَةُ النَّفْسِ وَالْقَرِيحَةُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، فَيَكُونُ صَاحِبُ هَذَا الْوَصْفِ أَكْثَرَ إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوِّ فِي الْجِهَادِ وَأَسْرَعَ خُرُوجًا إِلَيْهِ وَذَهَابًا فِي طَلَبِهِ وَأَشَدَّ عَزِيمَةً فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَرْغَبَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْأَذْكَارِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَأَنْشَطَ طَلَبًا لَهَا وَمُحَافَظَةً عَلَيْهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ” (شرح النووي على مسلم (16/ 215).
 
أيها المؤمنون: إنَّ من أسباب ضعف الإيمان الذنوب والمعاصي, تكاسلٌ عن الطاعات وفعلٌ للمحرمات, وإنَّ كل إنسان منا يعلم ما يفعل منها وما يترك, يعلم مكمن الخلل الذي أدَّى إلى ضعف إيمانه, وإن كان لا يعلم فليحاسب نفسه؛ لينظر هل هي مقصِّرة أو واقعة فيما لا يرضي الله تعالى, فيصلح الخلل, ويسد أسباب ضعف إيمانه.
 
كلٌّ منا يا عباد الله يتمنى لو كان أقوى إيماناً مما هو عليه, ولكن الأماني لا تُفيد مالم تُلزِم نفسك وتقودها إلى ما يقِّوي إيمانها.
 
معاشر المسلمين: إنَّ لضعف الإيمان علامات منها:
أولاً: سهولة الوقوع في المعاصي والتقليل من شأنها, فإذا ما تحدَّث متحدِّثٌ عن خطورة معصية من المعاصي, قال: فيه معاصٍ أشد وأعظم من المعصية التي تتحدث عنها, ولمثل هذا يقال: قال السلف: “لا تنظر إلى صِغَرِ الذنب, ولكن انظر إلى عظمة من عصيت“, عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: “إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ المُوبِقَاتِ” قَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ: “يَعْنِي بِذَلِكَ المُهْلِكَاتِ“(أخرجه البخاري 6492).
 
و قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: “إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ” (أخرجه الإمام أحمد 22808، وصححه الألباني في الصحيحة برقم 389).
 
قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنَّه قاعدٌ تحت جبلٍ يخاف أن يقع عليه, وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مرَّ على أنفه فقال به هكذا – أي بيده – فذبَّه عنه“.
 
وقال الفضيل بن عياض: “بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله“.
 
وقَالَ ابن بَطَّالٍ: “الْمُحَقَّرَاتُ إِذَا كَثُرَتْ صَارَتْ كِبَارًا مَعَ الْإِصْرَارِ…عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَيَثِقُ بِهَا وَيَنْسَى الْمُحَقَّرَاتِ, فَيَلْقَى اللَّهَ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ السَّيِّئَةَ, فَلَا يَزَالُ مِنْهَا مُشْفِقًا حَتَّى يلقى الله آمناً“. (فتح الباري لابن حجر: 11/ 330).
 
الثاني من علامات ضعف الإيمان: الإصرار على فعل المعصية ولو كانت من الصغائر والمُصِرُّ على الذنب هو المقيم عليه العازم على فعل مثله, قال -صلى الله عليه وسلم-: “ويلٌ للمُصِرِّين الذين يُصِرُّون على ما فعلواَ وهم يعلمون” (أخرجه الإمام أحمد وصححه الألباني).
 
وإنَّ بعضاً من الناس يرى إمهال الله وستره عليه ثم يُصِرُّ على المعاصي وهو لا يدري فقد يكون إمهاله ليزداد إثماً قال تعالى: (إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) [آل عمران: 178] والإصرار على فعل المعصية من أسباب سوء الخاتمة عياذاً بالله.
 
الثالث من علامات ضعف الإيمان: التكاسل عن فعل ما أمر الله به من الطاعات, مثل التكاسل عن إقامة الصلاة، والصلاة مع الجماعة, والتكاسل عن طاعة الوالدين والتقصير في البر بهما, والتقصير في صلة الرحم.
 
الرابع من علامات ضعف الإيمان: فعل المحرمات في الخلوات, قال -صلى الله عليه وسلم- : “لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا” قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: “أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا” (أخرجه ابن ماجه 4245 وصححه الألباني).
 
فاحذورا من معاصي الخلوات؛ فإنَّها من علامات ضعف الإيمان ونذير شؤمٍ على صاحبها وطريق خسران. اللهم اغفر ذنوبنا واستر عوراتنا وزدنا إيماناً.
 
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.
 

الخطبة الثانية:
 
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 
أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى, واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى, فإنَّ أجسادكم على النار لا تقوى.
 
معاشر المسلمين: من آثار ضعف الإيمان:
أولاً: قسوة القلب فلا يتأثر بنصحٍ ولا بموعظة, وقد تصل به الحال إلى أنَّه لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه.
 
ثانياً: حصول الهم والغم والحزن وغشَيَانها على القلب, وضيق الصدر, قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 124].
 
ثالثاً: حصول الغفلة, والغفلة عن ذكر الله داءٌ خطير, فالغافل ينشغل بملذات الدنيا وينسى أمر دينه وآخرته, قال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)[الأعراف: 205].
 
رابعاً من آثار ضعف الإيمان: عدمُ الغضب إذا انتهكت محارم الله؛ إذ إنَّ المؤمن القوي يغضب إذا انتهكت محارم الله, فينهى فاعلها عنها.
 
خامساً من آثار ضعف الإيمان: الخوف والفزع والوساوس وسوء الظن وعدم الصبر عند نزول المصيبة.
 
سادساً من آثار ضعف الإيمان: الفرح بفعل المعصية وسهولة التمكن منها, والغضب إذا مُنع من فعلها.
 
سابعاً: من أعظم آثار ضعف الإيمان المجاهرة بفعل المعصية والمفاخرة بذلك, ومحبَّة أن يقع فيها غيره, وإشاعتها في الناس, وقد يصل به الحال إلى دعوتهم لاقترافها قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ” (أخرجه البخاري 6069، ومسلم 2990).
 
ثامناً: ضعيف الإيمان غالباً لا يشعر بلذة العبادة, إما لكثرة معاصيه, أو لعدم حضور قلبه حال عبادته.
 
فاتقوا الله معاشر المسلمين, وقووا إيمانكم بكثرة الطاعات وترك المعاصي والسيئات.
 
اللهم إنك عفوٌ كريمٌ تحبُّ العفو فاعف عنَّا, اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين, وتب علينا وآمن روعاتنا واستر عوراتنا وأصلح قلوبنا وأعمالنا وأصلح أبناءنا ونساءنا وذرياتنا, واجعلنا جميعاً هداةً مهتدين ولا تخزنا يوم الدين.
 
اللهم من كان منَّا مريضاً فاشفه شفاءً لا يغادر سقماً اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين, واقض الدين عن المدينين, وانصر عبادك المؤمنين, اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان وولِّ عليهم خيارهم واكفهم شرارهم.
 
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للحكم بكتابك وسنة نبيك -صلى الله عليه وسلم-, اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده واجعل عملهما في رضاك وارزقهما بطانة صالحة ناصحة وأبعد عنهما بطانة السوء يا رب العالمين, اللهم احفظ بلادنا وولاة أمرها وعلماءها وأهلها وزدها قوةً وأمناً ورخاءً وزدها شكراً وتمسكاً بالدين.
 
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلال والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين, اللهم انصر جنودنا المرابطين على حدود بلادنا وثبت أقدامهم, وانصر جنود التحالف العربي في اليمن.
 
اللهم عليك بالحوثيين وأعوانهم, اشدد وطأتك عليهم ومزقهم كل ممزق اللهم زلزلهم واهزمهم بقوتك يا قوي يا عزيز اللهم عليك بالصلبيين والصهاينة والمجوس والحوثيين المعتدين وأعوانهم, صُبَّ عليهم عذابك وأليم عقابك وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين.
 
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت, أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سحَّاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار…
 
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 180 – 182].