استدامة الطاعات
أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
التعامل مع الزوجين (2)

 

 التعامل مع الزوجين (2)


الخطبة الأولى:
 
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.
 
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].
 
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
 
كان الكلام في الأسبوع الماضي حول موضوع الخُلق الحسن ومكانته عند الله، وكيف أن الله –سبحانه- يبتلي عباده بعضهم ببعض وبين ذلك في قوله (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) [الفرقان: 20].
 
فالناس يرتبطون بينهم وبين بعض بعلاقات مختلفة يُبْتَلَوْنَ فيها، واليوم -إن شاء الله تعالى- نتكلم عن واحدة من أهم تلك العلاقات بين الناس وهي العلاقة بين الزوجين.
 
أيها الإخوة: الحياة الزوجية ليست لهوًا ولعبًا ولا لذة عابرة أو علاقة مؤقتة أو مجرد شهوة واستمتاع؛ فالزواج شراكة مصيرية وعقد الزواج من أشرف وأهم العقود في الإسلام.
 
ولأهميته فإن الله -سبحانه وتعالى- لم يصف عقدًا من العقود بما وصف به عقد الزواج فقد وصفه بأنه ميثاق غليظ يقول سبحانه: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء: 20- 21].
 
الزواج وإن كان فيه من اللذائذ والمزايا فهو مسئولية عظيمة، وتبعة شرعية ثقيلة تحتاج إلى صبر ومجاهدة، وحكمة ورَوِيَّة، مسئولية تحتاج إلى توطين للنفس على القيام بحقوق الزواج وتبعاته، وحرصًا على التوافق مع الطرف الآخر، واحتمال زلاته، والتغاضي عن أخطائه وهفواته، والقيام بتربية الأولاد وحسن إعدادهم، والله -تعالى- بحكمته ورحمته جعل ميلاً شديدًا بين الرجل والمرأة، ورغبة لديهما في تكوين حياة عائلية، وإنجاب الذرية، وجعل من كمال عجلة الحياة تقسيم المهام بين الذكر والأنثى؛ بحيث لا يحصل الكمال إلا بتعاونهما.
 
وبهذا كله يرغب بالزواج كلُّ مَن رغب فيه، ولو صعبت مئونته، وتتحقق مقاصد النكاح من تحقيق العفاف والصيانة للزوجين، وسكون كل منهما إلى الآخر، وحصول الرحمة والمودة بينهما، وتعاونهما للقيام بمصالحهما الدنيوية والدينية وتربية الأولاد ورعايتهم، وما يحصل بذلك من تكثير سواد المسلمين، وتقوية شوكتهم واستغنائهم بأبنائهم عن أعدائهم قال –سبحانه- مبينًا هذه الفطرة التي خلقها فجمعت بين الرجل وزوجه (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم:21].
 
فالزواج ينشئ علاقات جديدة بين الزوجين وأهليهما، ويربط الأسرة المتباعدة برباط المصاهرة، ولهذا جعل الله المصاهرة قسيمة للنسب؛ فقال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) [الفرقان:54].
 
وإذا كانت العلاقة بين الزوجين بهذه الدرجة من الأهمية والقوة والمتانة كان من أعظم ما يجب على الزوجين المعاشرة بينهما بالمعروف وأن يعرف كل منهما ما له وما عليه ويقوم بواجبه تجاه صاحبه ويراقب الله فيه فلا يظلمه، ولا يبخسه، ولا يحتقره، ولا يهينه، ولا يحمله ما لا يطيق؛ فالله -سبحانه وتعالى- قال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 228].
 
هذه الآية دلت على أن للزوجة على زوجها مثل ما له عليها من المعاملة بالحسنى، والمعاشرة بالمعروف، والدفع بالتي هي أحسن، والحذر من إيذائها ومضارتها، وأن يتقي الله فيها، ويأتي إليها بمثل الذي يحب أن تأتي به إليه، حتى لقد قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله -تعالى- يقول” (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)”.
 
كما أن من حق الزوج على زوجته أن تعاشره بالمعروف، وتعامله بالحسنى، وتحسن صحبته؛ وذلك بإخلاص الود له، وقَصْر النظر عليه، والتحبب إليه وتأنيثه، وملاطفته والتجمل له، وحفظ سره، وإظهار محبته، وتقدير مشاركته في آلامه وأتراحه، وملاقاته إذا دخل بالبِشْر والسرور والدعاء له، وأن تقوم بخدمته بالحسنى، وأن تحرص على إدخال السرور على قلبه، وكسب مودته ورضاه من غير تكرُّم من غير تكرُّه ولا تبرُّم ولا منّة ولا أذى، فإذا فعلت الزوجة ذلك محتسبة الأجر عند الله، فرضي عنها زوجها كما كان هو حريصًا على إرضائها فلتبشر بدوام الانسجام والود في البيت ناهيك عن الأجر الكبير في الآخرة.
 
في سنن الترمذي يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة“.
 
معاشر الإخوة: من أهم الآداب التي تعين على نجاح الحياة الزوجية “القناعة”؛ فالتطلع إلى استكمال جميع الصفات في الزوج أو الزوجة هو ضرب من الخيال، فالكمال لله وحده، والنقص والتقصير في كل إنسان، بل ما من لذة في هذه الحياة الدنيا إلا وهي مشوبة بشيء من التنغيص والتكدير.
 
طُبِعَتْ على كدر وأنت تريدها *** صفوًا من الأقذار والأكدار
أما اللذة التامة الخالية من أي تنقيص إنما تكون للمؤمنين في الجنة؛ نسأل الله من فضله.
 
وإن من أكثر الناس توفيقًا وأرجحهم عقلاً من أدرك هذه الحقيقة، ورضي بما قسم الله له، وقنع بما أتاه الله، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “قد أفلح من أسلم ورُزق كفافًا وقنعه الله بما أتاه” (أخرجه مسلم في صحيحه).
 
أيها الإخوة: من المعلوم أن لكل إنسان حاجاته الخاصة ورغباته، وله مزاجه الخاص الذي قد لا يتفق مع مزاج صاحبه، ولذلك نرى النبي -صلى الله عليه وسلم- يوصي أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهما- حين بعثهما إلى اليمن بقوله: “يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا“، تطاوعا ولا تختلفا، أي: ليقدر كل واحد منكم رأي الآخر، وليُلِن كل منكم جانبه لأخيه، وليخفض كل منكم جناحه لصاحبه.
 
ولهذا حتى يتحصل الزوجان على الوئام يجب أن يتطاوعا ولا يختلفا، وييسرا ولا يعسرا، وأن يحسن كل منهما صحبة الآخر، ويحرص على إسعاده، وتحقيق رغباته فيما يرضي الله، وأن يتنازل عن شيء من مراداته ورغباته من أجل دوام العشرة، واستمرار الحياة، وينبغي أن يوطن كل من الزوجين نفسه على قبول بعض الهفوات، قبول بعض الأخطاء والتغاضي عن بعض المنغِّصات، وأن يجاهد نفسه ليتذكر الخير في صاحبه قبل أن يتذكر الشر.
 
في صحيح مسلم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا يَفْرَكْ –أي لا يبغض- مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ”، فكل إنسان له مزايا وله عيوب، والحصيف هو الذي يركز على مزايا شريكه وفضائله لا على عيوبه ونواقصه قدر المستطاع، ويتذكر أن فيه هو نفسه عيوبًا هو الآخر، ولا ينسى أن الشيطان ينفخ في العيوب ويضخِّمها ويصغِّر المزايا وينسيها، والله المستعان.
 
فلنتوكل عليه، ولنستغفره إنه غفور رحيم..
 

الخطبة الثانية:
 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
 
أما بعد: فلئن كان الرجل يقوم على الأسرة ويحيطها برعايته ولئن كان عقله بحكم رجولته غالبًا على عاطفته، فهو إذاً مطالب بتصبير نفسه أكثر من المرأة؛ لما يعلم من طبيعة خِلقتها ورقتها، وغلبة عاطفتها على عقلها، ولأنها في الواقع كالأسيرة بين يديه، وحتى لو كانت على رأس عمل، فهي محتاجة إليه ليس أمامها غيره، وليس لها خيار إلا هو قد علقت فيه آمالها، واعتبرته في الدنيا كنزها ورأس مالها؛ فالبحث عن زلاتها وتتبع عثراتها والمبالغة في تقويمها يؤدي إلى كسرها، وكسرها طلاقها.
 
في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإن المرأة خُلِقَت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه؛ فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج؛ فاستوصوا بالنساء خيرًا“، وفي رواية لمسلم: “وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها“.
 
في تفسير قوله -تعالى-: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) [البقرة:228]، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “ما أحب أن أستنطف جميع حقي عليها” أي: الزوجة، لا أبالغ في التدقيق، فأتتبع كل ما لي عليها من حق فقصرت فيه، قصرتي في هذا..، قصرتي في هذا.. لأن الله -تعالى- يقول (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ).
 
هكذا هو تفسير ابن عباس؛ يقول الطبري: “وأولى هذه الأقوال أي أقوال المفسرين بتأويل الآية ما قاله ابن عباس وهو أن الدرجة (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) التي ذكر الله -تعالى- في هذا الموضع هو الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها تجاهه، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه.
 
قال: ثم ندب الرجال إلى الأخذ عليهن بالفضل إذا تركن أداء بعض ما أوجب الله لهم عليهن، فقال -تعالى- ذكره (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) أي: بتفضلهم عليهن، وصفحهم لهن عن بعض الواجب لهم عليهن، وهذا هو المعنى الذي قصده ابن عباس بقوله “ما أحب أن أستنطف جميع حقي عليها”.
لا بد للرجل من مراعاة تلك العاطفة الأنثوية، والصبر عليها.
 
وللحديث تتمة -إن شاء الله تعالى-.
 
اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا، وأصلح ذات بيننا، وأعنا على الإحسان في كل أمورنا وشؤوننا.