أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (51) قصة أصحاب الرجيع
التصنيف الموضوعي :سيرة وتاريخ

 

سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (51) قصة أصحاب الرجيع


 
الخطبة الأولى:
 
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن نهج نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:
 
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه -صلى الله عليه وسلم-، خاصة في مثل هذا الواقع المعاصر، الذي يموج بالفتن والأحداث؛ فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج، والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا؛ لتتبع سيرة سيدنا ونبينا محمد  -صلى الله عليه وسلم-، والوقوف على دروسها وعبرها، وهذه هي الخطبة الواحدة والخمسون من سلسلة السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة؛ وكنا قد انتهينا الجمعة الماضية من غزوة أحد، و لا شكَّ أنَّ ما وقع في أُحُدٍ جرَّأ بعض الأعراب على مهاجمة المدينة، ومحاولة النيل من المسلمين، رغم خروج النبي -صلى الله عليه وسلم-  بأصحابه إلى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ؛ إظهارًا لقوة المسلمين، وتثبيتًا لقلوب أصحابه.
 
ففي المحرم من السنة الرابعة بلغ النبيَ  -صلى الله عليه وسلم-  أن بني أسد بن خزيمة يقودهم طُلَيْحَةُ الأسدي يتأهبون لمهاجمة المدينة؛ فدعا النبيُّ  -صلى الله عليه وسلم-  أبا سلمة بن عبد الأسد؛ فعقد له لواءً، وقال له: “سِرْ حَتّى تَرِدَ أَرْضَ بَنِي أَسَدٍ؛ فَأَغِرْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ تَلَاقَى عَلَيْك جُمُوعُهُمْ“، وأوصاه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا؛ فخرج معه في تلك السرية خمسون ومائة؛ فانتهوا إلى أدنى قَطَنٍ ماء من مياه بني أسد؛ فلم يجدوا كيدًا، ولم يلقوا عدوًا؛ فأغاروا على سرحهم؛ فضموه، وأخذوا رعاءً لهم، ورجعوا مظفرين إلى المدينة”، كما بلغ النبيَّ  -صلى الله عليه وسلم-  أن خالد بن سفيان الهُذَلي يتأهب -أيضًا- للإغارة على المدينة؛ فاستدعى عبد الله بن أُنَيْس؛ فقال له: “إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يَجْمَعُ لِي النَّاسَ لِيَغْزُونِي، وَهُوَ بِنَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ“، ونعت النبي  -صلى الله عليه وسلم-  خالدًا لابن أنيس؛ فأتاه فقتله؛ فأبطل الله به كيده، ولما أتمَّ اللهُ لعبد الله بن أنيس النصر على خالد بن سفيان أنشد:
تَرَكْتُ ابْنَ ثَوْرٍ كَالْحُوَارِ وَحَوْلَهُ***نَوَائِحُ تَفْرِي كُلَّ جَيْبٍ مُقَدَّدِ
تَنَاوَلْتُهُ وَالظُّعْنُ خَلْفِي وَخَلْفَهُ***بِأَبْيَضَ مِنْ مَاءِ الْحَدِيدِ مُهَنَّدِ
 
ولما رجع عبد الله بن أنيس إلى المدينة، قال له النبي  -صلى الله عليه وسلم-: “أَفْلَحَ الْوَجْهُ“، ثم كافأه  -صلى الله عليه وسلم-، وأعطاه عصًا، وقال له: “آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“، والذي يظهر في تلك الوقعتين شدة يقظة المسلمين في المدينة، واستعدادهم لمجابهة عدوهم، كذلك أهمية الدور المخابراتي للمسلمين الذي حال دون مباغتة العدو لهم في دورهم.
 
ولم تهدأ مكائد أهل الكفر بالمسلمين؛ فدبَّروا وكادوا، حتى بلغت عقولهم الإنسية في جرمها وبطشها مبلغًا لا تدركه الشياطين الإبليسية؛ فعن أي مكر نتحدث؟ حديثنا عن يوم الرَّجِيع، وما أدراك ما يوم الرجيع (الرّجيع: بفتح الراء وكسر الجيم وسكون التحتية: وهو ماء لهذيل، وادي قرب خيبر)، ذلك اليوم الذي أقبل فيه رهطٌ من قبيلتي عَضَلٍ وَالْقَارَةِ المضريتين- وهم بَنو الْهون بن خُزَيْمَة بن مدركة- أقبلوا يتظاهرون بالتقوى والإيمان، ويطلبون من النبي -صلى الله عليه وسلم-  أن يُرسل معهم من يعلِّمهم الفقه والقرآن، إذ قالوا له  -صلى الله عليه وسلم-: “إنَّ فِينَا إسْلَامًا؛ فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَنَا فِي الدِّينِ، وَيُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُونَنَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ؛ فما كان للنبي  -صلى الله عليه وسلم-  أن يتأخر عن هداية الناس، أو أن يتوانى لحظة واحدةً عن تبليغ رسالة الإسلام، وهو الذي أمره ربه  -عَزَّ وَجَل-  بالبلاغ قائلًا: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) [ المائدة: 67].
 
وعلى الفور استجاب النبي  -صلى الله عليه وسلم-  لطلبهم، “وبَعَثَ  -صلى الله عليه وسلم-  نَفَرًا سِتَّةً (وقيل: عشرة) مِنْ أَصْحَابِهِ، وأمَّرَ عليهم عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ  -رضي الله عنه-، وكان فيهم: مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ  -رضي الله عنه-، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ  -رضي الله عنه-، وَخُبَيْبٌ بْنُ عَدِيٍّ  -رضي الله عنه-، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ بْنِ مُعَاوِيَةَ -رضي الله عنه-.
 
لقد أرسل إليهم رسول الله  -صلى الله عليه وسلم-  أشراف الصحابة، ممن أنار الإيمان قلوبهم، وحفظوا القرآن في صدورهم، ذهبوا معهم، وقد أخلصوا لله نياتهم، وعاهدوا ربهم أن يقوموا بواجبهم نحو دينهم، لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن؛ فقد انقلبت الأوضاع، وانكشفت النيات، عن مؤامرة كبيرة من الغدر والخيانة، والخِسَّة والنذالة، تهدف إلى قتلهم وإزهاق أرواحهم؛ فتأمل معي ماذا جرى لهم؟ لقد انطلق القوم حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ نَزَلُوا نُزُولًا، وَذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ وَاقْتَفَوْا آثَارَهُمْ حَتَّى … لَحِقُوهمُ فَلَمَّا آنَسَهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَصْحَابُهُ لَجَأُوا إِلَى فَدْفَدٍ(رَابيةٌ مُشْرِفة)، وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فَقَالُوا: لَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ إِنْ نَزَلْتُمْ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا” (دلائل النبوة لأبي نعيم).
 
وأحاطوا بهم من كل جانب، وأشهروا في وجوههم كل أنواع السلاح؛ فماذا يصنع الأطهار مع أولئك الفجار؟ أيسالموهم ويهادنوهم، أم يفروا ويتركوهم؟ أم يستسلموا ويرفعوا الرايات؟ اسمع ماذا جرى وماذا كان، وقل الله أكبر، الله أكبر على عزة الإسلام؛ “فَأَمَّا مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَهْدًا وَلَا عَقْدًا أَبَدًا” (جوامع السيرة لابن حزم)؛ عزة ما بعدها عزة، وكرامة ما بعدها كرامة، وشموخ ما بعده شموخ، ثلاثة من الأخيار أمام جيش من الفجار لم يخنعوا، ولم يرضخوا لهم، بل اعتزوا بدينهم، ونبيهم، وقرآنهم، وما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا، قالوا لهم: لا نقبل من مشرك عهدًا، ولا عقدًا أبدًا ما بقينا على قيد الحياة؛ فما بالنا اليوم نرى الكثير ممن يسارعون فيهم، يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة! فهؤلاء ثلاثة أمام ما يزيد عن مائة رجل، لكنهم ما جبنوا وما هابوا، بل لما أدركوا أنه لا مفرَّ من القتال، وأن الشهادة على الأبواب قال عاصم: “اللهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ  -صلى الله عليه وسلم-” (دلائل النبوة للبيهقي).
 
ثم أنشد قائلًا:
مَا عِلَّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ **** وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَابِلُ
تَزَلُّ عَنْ صَفْحَتِهَا الْمَعَابِلُ **** الْمَوْتُ حَقٌّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ
وكُلُّ مَا قدَّره الْإِلَهُ نَازِلٌ *** بِالْمَرْءِ وَالْمَرْءُ إلَيْهِ آئلُ
 
قاتلهم عاصم بما ملكه من نبل وسيف حتى قُتِلَ، وقُتِلَ معه صاحباه؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، لقد قُتلوا غدرًا وغيلةً، وأبوا إلا أن يقفوا موقف العزة والشموخ والإباء؛ فأفاض الله عليهم من الكرامات، ووالله: لولا أن التاريخ وكتب الآثار قد حفظت لنا تلك الأخبار ما كنا نستطيع أن نصدق تلك الكرامات، ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ فمن كرامات عاصم بن ثابت أنه لَمَّا قُتِلَ أرادت هُذَيلٌ أَخْذَ رأسه، ليبيعوهُ من سُلَافَةَ بِنْتِ سعدِ بنِ شُهَيْدٍ، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنَيها يوم أُحُدٍ: لئِنْ قَدَرَتْ على رأسِ عاصمٍ لتشْرَبَنَّ في قِحْفِهِ الخمر.
 
قال أبو جعفر الطبري: “وجَعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة”؛ فهل يخذله الله ويسلمه لهم؟ هل يتركه لأهل الكفر والشرك بعدما أعلن اعتزازه بالله؟ كلا وألف كلا؛ فقد عصمه الله من أن ينالوا منه شيئًا أو أن يقربوه؛ فقد أرسل جندًا من جنوده؛ لتحمي وليًا من أوليائه، يقول أهل السير: “فمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ(الزنابير وذكور النحل)؛ فلمَّا حالت بينه وبينهم قالوا: دعوه يمسي؛ فتذهبُ عنه، فنأخذه، فبعث اللَّهُ الوادِيَ؛ فاحتَمَلَ عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ بعيدًا حيث لا يعلم مكانه؛ إلا الله، حفظه الله من شرهم ومكرهم، حفظه الله لأنه أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركًا أبدًا؛ فكان عمر بن الخطاب  -رضي الله عنه-  يقول حين بلغه ذلك الخبر: “يَحْفَظُ اللَّهُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ، كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فِي حَيَاتِهِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، كَمَا امْتَنَعَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ“.
 
أَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ، “فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة” سيرة ابن هشام، وليس عليهم ملام؛ فحب الحياة طبيعة تأصلت في بني الإنسان، لكنهم أرادوا أن يسلكوا طريقًا غير طريق عاصم وصاحباه، لكن الغدر كان ينتظرهم من تلك الثلة الكافرة الغادرة، وصدق الله حين قال: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وأولئك هُمُ الْمُعْتَدُونَ) [التوبة: 10]؛  فبعد أن أعطوا بأيديهم، أسروهم، ثم خرجوا إلى مكة، ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بِالظَّهْرَانِ(واد قرب مكة) انتزع عبد الله بن طارق يده من القِرَان(الحبل يُربط به الأسير)، ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وأما خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، وزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ، فقدِموا بهما مكة؛ فباعوهما من قريش بأسيرين من هُذَيل كانا بمكة، فَبَيْعَ خُبَيْبٌ لِعُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ فَبَيْعَ لصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ليقتله بأبيه، أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وبعث به صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مع مولى له، يُقال له: نِسْطَاسُ، إلَى التَّنْعِيم، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب؛ فقال له أبو سفيان حين قُدِّم ليُقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنَّك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنِّى جالسٌ في أهلي.
وفاءٌ ما بعده وفاء، وحبٌّ ما بعده حُبٌّ، وإخلاصٌ ما بعده إخلاص، كلمة واحدة كان من الممكن أن تمنحه الحرية والفكاك، لكن حُبَّ محمد  -صلى الله عليه وسلم-  أبقى من كل حياة، أما خُبَيْبٌ؛ فاسمع لعجيب ما أفاض الله عليه من كرامات، دخلت عليه مَاوِيَّةُ مولاة ابن أبي إهاب، وكانت قد أسلمت، قالت: “كَانَ خُبَيْبٌ عِنْدِي، حُبِسَ فِي بَيْتِي، ولَقَدْ اطَّلَعَتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ، مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَمَا أَعْلَمُ فِي أَرْضِ اللَّهِ عِنَبًا يُؤْكَلُ“.
 
“ثم خرجوا بخبيب  -رضي الله عنه-، حتى إذا جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه، قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا” (سيرة ابن هشام).
 
سبحان الله! يريد أن يختلي بربه للحظات قبل أن يفارق الحياة، وكم في الحياة من أناس شغلتهم الدنيا وشهواتها عن معرفة الله! وكم في الحياة من أناس عرفوا الله وما قاموا بحقه! فاحرص على أن تكون لك معرفة بالله تؤدي حقها حتى الممات ها هو خبيبٌ  -رضي الله عنه-  يقول لهم: “دَعُونِي أَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ“، “قَالُوا: دُونك فاركع. فركع ركعتين أتمَّهُما وأحسنَهُما، ثُمَّ أقبَلَ على القومِ فقال: “أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا أنْ تظنُّوا أَنِّي إنَّمَا طوَّلت جزعًا مِنْ القتل لاستكثرت مِنْ الصَّلَاةِ“، ثُمَّ رفعوه على خَشَبةٍ، فلمَّا أوثَقُوهُ، قال: “اللَّهمّ إنَّا قد بلَّغْنا رسالةَ رَسولك، فبلِّغْهُ الغداةَ ما يُصنَع بِنَا“، ثُمَّ قَالَ: “اللَّهمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا” (سيرة ابن هشام)، ثم قتلوه  -رضي الله عنه-.
 
وكان مما أنشده عند تقديمه للموت:
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ **** يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَهُ **** وَقَدْ هَمَلَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ
وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ، إنِّي لَمَيِّتٌ **** وَلَكِنْ حِذَارِي جَحْمُ نَار ملفّع
فو الله مَا أَرْجُو إذَا مِتُّ مُسْلِمًا **** عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوِّ تَخَشُّعًا **** وَلَا جَزَعًا إنِّي إلَى اللَّهِ مَرْجِعِي
 
أرأيتم أيها الكرام: ما كان في صدر الإسلام من تضحيات بالأموال والأرواح، وما كان من بذل وعطاء؟! فالأموال تهون، والأرواح تهون إذا كانت في سبيل الله؛ فهؤلاء الأبطال وأمثالهم هم من يصدق فيهم قول الحق، -عَزَّ وَجَل-: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23].
 
إنه الدرس العظيم إخوة الإيمان في ثبات المسلم وثبات إيمانه عند المحن والأزمات وقوة ثقته بالله -عَزَّ وَجَل-.
 
نسأل الله تعالى أن يثبتنا وأن يملأ قلوبنا بالإيمان.
 
اللهم فقهنا بالدين وبسنة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام، وارزقنا الإيمان والثبات على التوحيد حتى نلقاك يا رب العالمين.
 
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.
 
اللهم احفظ أمننا وإيماننا وبلادنا وسائر بلاد المسلمين.
 
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.