أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
مفاسد العنوسة
التصنيف الموضوعي :الأسرة والمجتمع

 

مفاسد العنوسة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
 
وبعد:
فمن الظواهر الاجتماعية السيئة التي انتشرت في المجتمع في هذه الأيام كثرة حالات العنوسة.
 
ففي إحصائية قديمة لإحدى جامعات المملكة اتضح أن نسبة الفتيات اللاتي لم يتزوجن، وهن طالبات في المرحلة الجامعية يصل إلى خمسة آلاف طالبة، وفي إحصائية أخرى لإحدى الوزارات اتضح أن نسبة الفتيات اللاتي بلغن سن الزواج ولم يتزوجن يصل إلى مليون ونصف امرأة، وهذا رقم مرتفع جدًا يدل على خطورة هذا الأمر، وكم أحدثت هذه العنوسة من مفاسد وأمراض نفسية ومشاكل أسرية؟ ولقد حث الشارع على النكاح، ورغب فيه، ولو مع قلة ذات اليد، قال تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 32].
 
روى البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"[1].
 
وهذه العنوسة لها أسباب، أذكر بعضًا منها لعل ذلك يساعد على إيجاد حل لهذه المشكلة:
أولًا: الانشغال بالدراسة، والاعتذار بها عن الزواج حتى يكبر سن الفتاة، ويرغب عنها الكثير من الخطاب، على أنه يمكن في كثير من الأحوال الجمع بينهما كما هو مشاهد، ولو فرضنا تعذر الجمع، فإن الزواج أولى من الانشغال بالدراسة.
 
ثانيًا: المغالاة في المهور، وما يتبعها من النفقات، قال أهل العلم: "المشروع أن يكون قليلًا ميسرًا" روى الحاكم في المستدرك من حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير الصداق أيسره"[2]، وقال عمر - رضي الله عنه -: "لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ما أصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من نسائه، ولا بنتًا من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقيه، والأوقية أربعون درهمًا"[3].
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: الفتاوى الكبرى (3/ 195):
مَنْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى أَنْ يَزِيدَ صَدَاقَ ابْنَتِهِ عَلَى صَدَاقِ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّوَاتِي هُنَّ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ، وَهُنَّ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ صِفَةٍ: فَهُوَ جَاهِلٌ أَحْمَقُ.
وَكَذَلِكَ صَدَاقُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَهَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ. فَأَمَّا الْفَقْرُ وَنَحْوُهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصْدُقَ الْمَرْأَةَ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ[4].
 
قال ابن القيم - رحمه الله - بعد سياق هذه الأحاديث المتعلقة بالصداق: "وتضمن أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته، وعسره"[5].
 
ثالثًا: تركيز كثير من الأسر على أحوال الخاطب الدنيوية، من منصب ومال وجاه، فإن لم يتوفر ذلك اعتذروا عن قبوله، وإن كان من أهل الخلق والدين، وهذا مخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه، وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"[6].
 
رابعًا: استيلاء بعض الآباء الجشعين على رواتب بناتهم العاملات، وبالتالي يمنعونهن من الزواج حتى يستمروا في كسب هذه الأموال، وقد نهى الله عن عضل النساء، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232].
 
خامسًا: اعتذار كثير من الفتيات عن الرجل المتزوج، وهذا خطأ، فعلى المرأة أن تفكر بعقلها، فخير لها أن تبقى في ظل زوج على أن تكون عانسًا في بيت أبيها، وقد سبق ذكر الحديث: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".
 
والنساء يفوق عددهن الرجال، وهناك المطلقة، والمتوفى عنها زوجها والتي كبر سنها ولم تتزوج، فلو اكتفى كل رجل بزوجة واحدة لبقى كثير من النساء من غير زواج، وهذا خلاف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وفيه مفسدة عظيمة، ولذلك شرع الله للرجل تعدد الزوجات، قال تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: 3].
 
سادسًا: أن بعض النساء المطلقات يصبن بعد طلاقهن بإحباط، فلا تفكر في الزواج مرة ثانية، وهذا خطأ، والله تعالى عند حسن ظن عبده به، وعلى المرأة أن تحسن الظن بربها، فهو مقسم الأرزاق، والموفق بين الزوجين، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 130]، روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله جل وعلا يقول: أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرًا فله وإن ظن شرًا فله"[7].
 
قال الشاعر:
ما بين غمضة عين وانتباهتها 
يبدل الله من حال إلى حال 
 
ومن الأسباب التي بدأت تنتشر في بعض المجتمعات:
عزوف بعض الشباب عن الزواج، هروبًا من تحمل المسؤولية، وهذا خروج عن الفطرة وسنن المرسلين، ومنهم من يكون قليل ذات اليد، مقارنة بالأوضاع والعادات الاجتماعية، ومنهم من يكون من المنهمكين على وسائل الإعلام السيئة، التي زرعت في نفسه مع طول النظر والمتابعة تصورًا سيئًا عن النساء عمومًا.
 
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.