استدامة الطاعات
أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
أحكام صلاة الجمعة
التصنيف الموضوعي :فقه المعاملات
الخطبة الأولى:
 
الحمدُ لله ربِّ العالمين، شَرَعَ لعباده الجمع والجماعات، ليطهِّرَهم بها من السيئات، ويرفَعَ لهم بها الدرجات، وأشهَدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته والأسماء والصفات، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله، أنزلَ عليه الآيات البينات، صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً، في جميع الأوقات.
 
أمَّا بعدُ:
 
أيها الناس: اتقوا الله -تعالى-، واشكُروه على ما خَصَّكُم به من نعمِه العظيمة التي من أعظمِها هذا اليوم الذي خَصَّ الله به هذه الأمةَ، وهو يوم الجمعة.
 
وقد شَرَعَ فيه أداءَ شعيرةٍ عظيمة من شعائر الإِسلام، وهي: صلاةُ الجمعة.
 
وهذه الصلاة لها أحكام منها: أنَّ الله -سبحانه- شَرَعَ الاجتماع لها بأكبرِ عددٍ ممكن، فلا يجوزُ تعدُّدُ أمكنة إقامتها في البلد إلا عند عدم التمكن من إقامتها في مكان واحد، فقد قال العلماء -رحمهم الله-: يَحْرُمُ إقامة الجمعة في أكثرَ من موضعِ من البلد إلا إذا دعت الحاجة إلى تعدد الجوامع بحسب الحاجة.
 
وقد تساهَلَ الناسُ اليوم في هذا الحكم، فصاروا يعدِّدُون الجوامع في أمكنة متقاربة من غيرِ حاجة إلى ذلك.
 
وهي فرضُ عين، فتلزَمُ كُلَّ مسلم ذَكَرٍ بالغ عاقل مقيم في البلد أو خارجه إذا كان يسمَعُ النداء لها.
 
وقد وَرَدَ الوعيد الشديد على من يتخلَّفُ من صلاةِ الجمعة، عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة -رضي الله عنهما-: أنَّهما سَمِعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول على أعواد منبره: "لَينتهيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعاتِ، أو لَيختِمَنَّ اللهُ على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين"[رواه مسلم].
 
ولا تَجِبُ الجمعة على مسافرٍ سفرَ قصر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يُصَلِّ أحدٌ منهم الجمعة في السفر معَ اجتماع الخلق الكثير.
 
وإذا حَضَرَ المسافرُ الجمعة، وصلاَّها مع المُقيمين أجزأته، وإذا نَوَى المسافرُ الإِقامة في بلد إقامةً تَزيدُ على أربعةِ أيام وَجَبَتَ عليه صلاةُ الجمعة، مع أهل ذلك البلد.
 
ومن أحكامِ صلاة الجمعة: أنها يُسْتَحَبُّ التهيؤُ لها قبل حضورها بالاغتسال والتنظف والتطيُّبِ، ولُبْسِ أحسن الثياب، وتجميل الهيئة بقَصِّ الشارب، وتقليمِ الأظافر.
 
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان يوم الجمعة، فاغتسلَ الرجلُ وغَسَلَ رأسَهَ، ثم تطيَّبَ من أطيبِ طيبه، ولَبِسَ من صالحِ ثيابه، ثم خَرَجَ إلى الصلاة ولم يُفَرِّقْ بينَ اثنينِ، ثم استمَعَ الإِمامَ غُفِرَ له من الجُمعةِ إلى الجمعة وزيادةُ ثلاثة أيام"[رواه ابنُ خزيمة في صحيحه].
 
ومن أحكامِ صلاة الجمعة: أنها يُسْتَحَبُّ التبكير بالحضور لها في المسجد، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ غُسْلَ الجنابةِ، ثم راح في الساعة الأولى فكأنَّما قَرَّبَ بدنَةً، ومَنْ راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرنَ، ومَنْ راحَ في الساعة الرابعة فكأنَّما قَرَّبَ دجاجةَ، ومَنْ راحَ في الساعة الخامسة فكأنَّما قَرَّبَ بيضةً، فإذا خرج الإِمامُ حَضَرَتِ الملائكةُ يستمعون الذكر"[رواه مالك والبخاري ومسلم].
 
ففي هذا الحديث: الترغيبُ في التبكير لحضورِ صلاة الجمعة، لِما يترتب على التبكير من تحصيلِ مكانٍ في الصفِّ الأول، والحصولِ على فضيلة انتظار الصلاة، وحصولِ الاشتغالِ بذكر الله بصلاة النافلة، وتلاوة القرآن، والتسبيحِ، والتهليلِ، والتكبير، والدعاء.
 
وهذه الفضائل تفوتُ كلُّها على المتأخر.
 
ومعَ الأسفِ: في هذا الزمان قلَّ الاهتمامُ بالتكبير لحضورِ صلاة الجمعة، فالكثيرُ لا يأتون إليها إلا عند دخول الإِمام أو عندَ الإِقامة، يَحْرِمُون أنفسَهم من هذه الأجور العظيمة والفضائلِ المتعددة، لا لشيءٍ إلا لأن الشيطانَ خَذَلَهم عن التبكيرِ، وزَهَّدَهم في الثواب، فقد جاء في الحديثِ الذي رواه أبو داود: "إذا كان يومُ الجمعة خَرَجَتِ الشياطينُ يريثون النْاسَ إلى أسواقهم".
 
يعني: يؤخِّرونَهم عن الحضورِ.
 
ومن أحكامِ صلاة الجمعة: أنه يُشترط لها تقدُّمُ خطبتين يشتملانِ عن حمدِ الله، والثناء عليه، وشهادةِ: أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، والصلاة والسلام عليه، والوصيةِ بتقوى الله، وموعظة المسلمين، وتوجيهِهم وتنبيههم إلى ما يحتاجون إلى التنبيه إليه كلَّ وقت بحسبه، ووصيتِهم بما يقرِّبُهم إلى الله، ونهيِهم عمَّا يُبعدهم عن الله، ويوجبُ لهم سَخَطَه وناره، مع جزالةِ الألفاظ، وجودةِ الإِلقاء، ولا تكونُ طويلةً مملَّةً، ولا قصيرةً مُخِلَّةً.
 
ولا تكونُ حشواً من الكلام، لا فائدةَ فيه، بل يختارُ لها الموضوعَ المناسب المفيد، ويتجنبُ الموضوعَ الذي لا مناسبةَ له، أو لا فائدة فيه.
 
فقد كانَ النبي -صلى الله عليه وسلم- يهتَمُّ بشأنِ الخطبة موضوعاً وإلقاءً، عن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خَطَبَ احمَرَّت عيناهُ، وعلا صوتُه، واشتَدَّ غضبُه، حتى كأنَّه مُنذرُ جيشٍ، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم".
 
وكان يُعَلِّمُ أصحابَه في خطبه: قواعدَ الإِسلامِ، وشرائعَه، ويُكثرُ فيها من تلاوةِ القرآن.
 
وكان يقصُرُ الخطبةَ، ويُطيلُ الصلاةَ، ويُكثرُ الذِّكْرَ، ويقصِدُ الكلماتِ الجوامع، وكان يقول: "إنَّ طولَ صلاة الرجل، وقِصَرَ خُطبتِه مَئِنَّةٌ من فقهه".
 
فيجبُ على الخطباءَ: أن يقتدوا به في خطبهم، فإنَّ بعض الخطباء اليوم يُطيلُ الخطبةَ تطويلاً مملاًّ، ويتناولُ فيها موضوعاتٍ لا مناسبة لها فيها، ولا فائدةَ للحاضرين منها، أو هي غريبةٌ على أسماعهم، ومع هذا يَقْصُرون الصلاةَ، ويُقَلِّلون القراءةَ فيها، وهذا خلاف السنة.
 
واعلمُوا -رحمكم الله-: أنه يجبُ على الحاضرين الإنصات والاستماع للخطبة، ويحرُمُ الكلامُ وقتَ إلقائها، ويحرُمُ العَبَثُ حالَ الخطبة بكثرة الحركة بيد أو رجل أو تحريك شيءٍ من غير حاجة، أو مَسّ لحيةٍ أو ثوبٍ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُ عن استماعِ الخطبة.
 
عن ابنِ عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَكَلَّمَ يومَ الجمعة والإِمامُ يخطُبُ، فهو كمثلِ الحمار يحمِلُ أسفاراً، والذي يقولُ له: أنصِتْ ليست له جمعةٌ"[رواه الإِمام أحمد].
 
وإنَّما شَبَّه المتكلم وقت الخطبة بالحمارِ يحملُ أسفاراً؛ لأنَّه فاتَه الانتفاعُ مع تكلفه الحضور، فهو كالحمار الذي يتكلَّفُ حملَ الكتب، وهو لا ينتفعُ بها، وأخبرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الذي ينهاه عن الكلام وقتَ الخُطبةِ، ويقول له: اسكُت، ليست له جمعةٌ.
 
مع أنَّ ذلك في الأصل أمرٌ بمعروف ونهي عن منكر، مما يدُلُّ على أنَّ غير ذلك من الكلام ممنوعٌ من بابٍ أولى حالَ الخطبة.
 
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ مَسَّ الحَصَا فقد لَغَا، ومَنْ لَغَا فلا جمعةَ له"[صحَّحه الترمذي].
 
ومعنى: "مسّ الحصا" أي: سَوَّى الأرضَ بيدِه؛ لأنَّ هذا من العبثِ الذي يَشْغَلُ عن استماعِ الخطبة، ويُذهبُ الخشوع.
 
ومَنْ دَخَلَ المسجد والإِمامُ يخطُبُ لم يجلسْ حتَّى يصليَ ركعتين خفيفتين، لِقولِه صلى الله عليه وسلم: "إذا دَخَلَ أحدُكم يوم الجمعة وقد خَرَجَ الإِمامُ فليُصَلِّ ركعتين"[متفق عليه].
 
زاد مسلم: "وليتجوَّزْ فيهما".
 
ومن أحكام صلاة الجمعة: أنه يستحَبُّ أن يقرأَ جهراً في الركعة الأولى بسورةِ الجمعة، وفي الركعة الثانية بسورة: (إذا جاءك المنافقون) أو يقرأ في الركعة الأولى بـ(سبِّح اسمَ ربِّك الأعلى)، وفي الثانية بالغاشية، لفعِلِه صلى الله عليه وسلم.
 
ومن أحكام صلاة الجمعة: أنَّ مَنْ أدركَ منها ركعة مع الإِتمام أتَمَّها جمعةً، وإن أدركَ منها أقلَّ من ذلك بأن جاءَ ودخلَ مع الإِمام بعدَ رفعه رأسه من الركعة الثانية، فإنه يُتِمُّها ظُهراً إذا كان نوى الظهر عند تكبير الإِحرام، لقولهِ صلى الله عليه وسلم: "ومَنْ أدركَ ركعة من الجمعة فقد أدركَ الصلاةَ".
 
فإن لم ينوِها ظُهراً عند تكبيرة الإِحرامِ، فإنه يُتِمُّها نافلةً، ويُصلِّي الظهرَ بعدها.
 
ومن أحكام صلاةِ الجمعة: أنَّها لا راتبةَ لها قبلها، لكن مَنْ دَخَلَ المسجدَ لصلاة الجمعة وكان مبكراً، فإنه يصلِّي من النوافل ما تَيَسَّرَ له إلى أن يدخُلَ الإِمام للخطبة، وفي الحديث: "ثم يُصَلِّي ما كتب له".
 
وكانَ الصحابةُ -رضي الله عنهم- إذا أتوا المسجدَ يومَ الجمعة يصلُّون من حينِ يدخُلُون ما تَيَسَّرَ.
 
وراتبةَ الجمعة بعدها لِما في صحيح مسلم: "إذا صلَّى أحدُكم الجمعة فليُصَلِّ بعدَها أربع ركعات".
 
وكانَ صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الجمعةَ دَخَلَ إلى منزلِه فصَلَّى ركعتين سنتها.
 
فمَنْ صَلَّى راتبةَ الجمعة في المسجد صلاَّها أربعاً، ومن صلاها في بيته صلاَّها ركعتين، جَمْعاً بين الأحاديث.
 
ومن أحكامِ صلاة الجمعة: أنه يحْرُمُ البيعُ والشراء، ويجب السعيُ إليها على من تلزَمُه بعدَ النداء الثاني، لقولِهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الجمعة:9].
 
ويحْرُمُ السفرُ بعد الزوال من يومها على من تلزَمُهُ حتى يُصَلِّيَها، وقبل الزوال يُكْرَهُ السفر حتى يصليَها.
 
فاتقوا الله -عبادَ الله- وحافظوا على الجَمَعِ والجماعات، لتكونوا من المفلحين.
 
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
 

الخطبة الثانية:
 
الحمدُ لله على فضله وإحسانه، وأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليماً كثيراً.
 
أما بعدُ:
 
أيها الناسُ: اتقوا الله -تعالى-، وأطيعوه، وحافظوا على الصلوات، وعلى الجُمَعِ والجماعات، تنالوا من الله الأجْرَ والكرامات، عن أبي هُريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان، مكفراتٌ لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"[رواه مسلم وغيره].
 
وعن أبي لُبابة بن عبد المنذر -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ يومَ الجمعة سيدُ الأيام، وأعظمُها عند الله، وهو أعظمُ عند الله من يومِ الأضحى ويومِ الفطر، وفيه خمسُ خلال: خَلَقَ الله في آدم، وأهبطَ الله فيه آدمَ إلى الأرض، وفيه تَوَفَّى الله آدم، وفيه ساعةٌ لا يَسْأَلُ الله فيها العبدُ شيئاً إلا أعطاه إياه ما لم يسألْ حراماً، وفيه تقومُ الساعة، ما مِنْ ملكٍ مقرَّبٍ ولا سماءٍ ولا أرضٍ ولا رياحٍ ولا جبال ولا بحر،ٍ إلا وَهُنَّ يُشفقْنِ من يومِ الجمعة"[رواه أحمد وابن ماجة].
 
فاحمدوا الله على ما خصَّكم به من هذا اليوم، وما جعل فيه من الخيرِ لمَنْ وفَّقه الله.
 
واعلموا أنَّ خيرَ الحديثِ كتاب الله... إلخ.