أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
أحوال الإنسان
الحمد لله رب العالمين، خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بتوحيده وطاعته، وفاوت بينهم في العقول والأخلاق والآجال والأرزاق، لدينا بذلك على قدرته وحكمته، وشدة عقوبته وسعة رحمته، أحمده على نعمه التي لا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لا نبي بعده إلى أن تقوم الساعة، وأوجب على جميع العالمين الانقياد له بالطاعة، صلى الله عليه وسلم وعلى جميع آله وصحابته وأتباعه.
 
أما بعد:
أيها الناس اتقوا الله تعالى وتأملوا أحوالكم، وأصلحوا أعمالكم، وتفكروا في مصيركم، واعلموا أنكم في هذه الحياة تنتقلون من حال إلى حال فتزودوا منها للآخرة بصالح الأعمال، قال تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) الإنشقاق:19]  أي حالاً بعد حال، فأول أطباق الإنسان كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنيناً ثم مولوداً رضيعاً ثم فطيماً ثم صحيحاً أو مريضاً، غنياً أو فقيراً، يأخذ بالزيادة فيكون صبياً، ثم بالغاً إلى أن يصل إلى سن الأربعين فيأخذ بالنقصان وضعف القوى على التدرج، قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً) [الروم:54] 
 
فقوته بين ضعفين وحياته بين موتين، فإذا تغيرت أحواله وظهر نقصه فقد رد إلى أرذل العمر، حتى إذا بلغ الأجل الذي قدر له واستوفاه جاءته رسل ربه عز وجل ينقلونه من دار الفناء إلى دار البقاء – فينزل القبر- وهو دار البرزخ، فإذا وضع لحده، فيأتيه حينئذ الملكان فيجلسانه ويسألانه: من ربك، وما دينك، ومن نبيك، فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونيبي محمد، فيصدقانه ويبشرانه، بأن هذا هو الذي عاش عليه، ومات عليه، وعليه يبعث، ثم يفسح له في قبره مد بصره، ويفرش له من الجنة، ويفتح له باب إلى النار. وهكذا ينعم المؤمن في قبره حسب أعماله، ويعذب الفاجر في قبره حسب أعماله، ويختص كل عضو بعذاب يليق بجنايته، فتقرض شفاه المغتابين الذين يمزقون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم بمقاريض من نار، وتسجر بطون أكلة أموال اليتامى بالنار، وتلقم أكلة الربا بالحجارة، ويسبحون في أنهار الدم، كما يسبحون في الكسب الخبيث، وترض رؤوس النائمين عن الصلاة المكتوبة بالحجر العظيم، ويشق شدق الكذاب الكذبة العظيمة بكلاليب الحديد إلى قفاه ومنخره إلى قفاره، وعينيه إلى قفاه كما شقت كلمته الكاذبة كل النواحي، ويعلق النساء الزواني بأثدائهن، وتحبس الزناة والزواني في التنور المحمي عليه، وتسلط الهموم والغموم والأحزان والآلام النفسية على النفوس البطالة التي كانت في هذه الدنيا مشغولة باللعب واللهو، والغفلة عن ذكر الله، فتصنع الآلام في نفوسهم كما تصنع الهوام والديدان في لحومهم، ويستمر عذاب القبر أو نعيمه إلى أن تنقضي الحياة الدنيا، وينتهي أجل العالم الدنيوي فينبتون من قبورهم كما ينبت الشجر العشب، فإذا تكاملت أجسادهم –أمر الله سبحانه إسرافيل فنفخ في الصور نفخة البعث (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر:68]
 
يقول المؤمن: الحمد لله أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، ويقول الكافر: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52] ثم يساقون إلى الحشر حفاةً عراةً غرلاً، حتى إذا تكاملت عدتهم وصاروا جميعاً على وجه الأرض تشققت السماء، وانتثرت الكواكب ونزلت ملائكة السماء فأحاطت بهم، ثم نزلت ملائكة السماء الثانية فأحاطت بملائكة السماء الدنيا..
ثم كل سماء كذلكن فبينما هم كذلك إذ جاء الله رب العالمين لفصل القضاء فأشرقت الأرض بنوره ونصب الميزان، وأحضر الديوان، واستدعى بالشهود، فشهدت يومئذ الأيدي والألسن والأرجل والجلود، فيحكم الله سبحانه بين عباده بحكمه الذي يحمده عليه جميع أهل السموات والأرض، وتوفيّ كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون، فإذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة و النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون وجلين، ثم يقال: يا أهل النار، فيطّلعون مستبشرين فيقال: هل تعرفون هذا، فيقولون: نعم، وكلهم قد عرفه، فيقال: هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.
 
أيها المسلمون: هذه أحوال الإنسان، وهذا منتهاه، فاتقوا الله في أنفسكم وفكروا في عواقبكم واسمعوا قول الله لكم –أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ* وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ* لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر:18-21].